أصبحت معركة الوعي في عصرنا الراهن واحدة من أهم معارك الدول والمجتمعات، فالمواجهة لم تعد تقتصر على ميادين السياسة والاقتصاد والأمن والحروب العسكرية، وإنما انتقلت بصورة واضحة إلى الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث أصبحت المعلومة مصدرًا من مصادر القوة، فمن يمتلك القدرة على إنتاج المعلومات وتوجيهها يستطيع أن يصنع موقفًا، ويغير اتجاهًا، ويثير الخوف، ويحدث انقسامًا، بل والتأثير في درجة ثقة المواطن في دولته ومؤسساته، ويشكل اتجاهات الرأي العام، ويكون الصور الذهنية، ويؤثر بصفة عامة على القرارات والمواقف.
ومن هنا برزت ظاهرة التضليل الإعلامي بوصفها واحدة من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات والدول في عصر الإعلام الرقمي، والتضليل الإعلامي كما عرفه الباحث الفرنسي فرانسوا جيريه بأنه مشروع منظم ومخطط يهدف إلى تشويش الأذهان والتأثير على العقل، كما على العواطف والمخيلة، وليس له سوى هدف واحد، هو إدخال الشكوك وخلق الاضطرابات وهدم المعنويات، ويعمل التضليل على جميع مستويات أصحاب القرار حتى المواطنين العاديين، كما يجعل من وسائل الإعلام أدوات لنشر وتعميم الرسالة التضليلية باتجاه الرأي العام.
ومن هذا المنطلق نؤكد أن التضليل الإعلامي هو الاستخدام المتعمد للمعلومات والصور أو الفيديوهات أو الأرقام أو العناوين بطريقة تؤدي إلى تكوين صورة غير صحيحة لدى الجمهور عن قضية أو حدث أو مؤسسة أو شخص.
وأصبح الأمن القومي في العصر الرقمي يتضمن بعدًا جديدًا هو أمن المعلومات والوعي المجتمعي، فالدولة القوية ليست فقط التي تمتلك مؤسسات أمنية واقتصادية وعسكرية قوية، وإنما أيضًا التي تمتلك مجتمعًا قادرًا على التمييز بين الحقيقة والزيف.
ولما كانت مصر تواجه شأنها شأن كثير من دول العالم بيئة إعلامية ورقمية شديدة التعقيد، تنتشر فيها الأخبار بسرعة فائقة، وتختلط فيها المعلومات الصحيحة بالشائعات، والصور الحقيقية بالمفبركة، والرأي بالحقيقة، والنقد الموضوعي بمحاولات التشويه والتضليل.
وما تواجهه مصر في هذا الصدد من تضليل إعلامي ورقمي ينبغي أن ينظر إليه باعتباره جزءًا من معركة الوعي التي تفرضها طبيعة العصر الرقمي، لأن الهدف النهائي من بعض حملات التضليل ليس أن يصدق المواطن خبرًا مزيفًا بعينه، وإنما أن يصل إلى مرحلة يفقد فيها الثقة في كل شيء، وهذا أمر في غاية الخطورة، فإذا نجحت حملات التضليل في إقناع المواطن بأن كل المؤسسات تكذب، وأن كل وسائل الإعلام والاتصال غير موثوقة، وأن كل المعلومات متناقضة، فإن النتيجة تكون فقدان الثقة العامة وانتشار اللامبالاة والشك الدائم.
والتصدي لهذه الظاهرة لا يكون بالخوف من الإعلام أو من التكنولوجيا، ولا يمنع الاختلاف والنقد، وإنما يكون من خلال إعلام مهني، ومؤسسات سريعة في إتاحة المعلومات، وتعليم يبني التفكير النقدي، وجامعات تنشر الثقافة الإعلامية، ومؤسسات متخصصة في الرصد والتحقق، ومواطن واعٍ يعرف أن إعادة نشر المعلومة مسؤولية وليست مجرد ضغط زر.
وكذلك يجب أن تكون المؤسسات مستعدة مسبقًا للأزمات وما تثيره معاول التضليل الإعلامي وأبواقه، وليس بعد انتشار الشائعات والأخبار الزائفة، ولذا عليها أن تبدأ بالاتصال بالجمهور بتقديم المعلومة الصحيحة بسرعة قبل أن يملأ الآخرون الفراغ.
لذا وضحت الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني في مصر 2023-2027 أهمية التوعية وبناء القرارات والشراكة الوطنية ضمن منظومة الأمن السيبراني، كما يضطلع المركز الوطني للاستعداد لطوارئ الحاسبات والشبكات، EG-CERT، بالرصد والاستجابة للحوادث والتوعية وبناء القدرات، وهذا يؤكد أن حماية الفضاء الرقمي لم تعد قضية تقنية فقط، وإنما أصبحت جزءًا من حماية المجتمع والدولة.
لأن الهدف النهائي من بعض حملات التضليل ليس أن يصدق المواطن خبرًا مزيفًا بعينه، وإنما أن يصل إلى مرحلة يفقد فيها الثقة في كل شيء، وهذا أمر في غاية الخطورة، فإذا نجحت حملات التضليل في إقناع المواطن بأن كل المؤسسات تكذب، وأن كل وسائل الإعلام والاتصال غير موثوقة، وأن كل المعلومات متناقضة، فإن النتيجة تكون فقدان الثقة العامة وانتشار اللامبالاة والشك الدائم.
فبناء الوعي ليس قضية إعلامية فحسب وانما هو قضية أمن قومي وبناء وطن وكل مواطن يتحقق قبل ان يصدق ويفكر قبل أن يحكم ويتثبت فبل أن ينشر هو شريك حقيقي في حماية وطنه من التضليل والفتن والفوضى
وبمشية الله نستكمل هذه القضية في المقالات الاتية