مؤتمر الإفتاء يناقش الأسرة والتحولات الفكرية والقيمية في جلسته العلمية الثالثة
شهدت الجلسة العلمية الثالثة ضمن فعاليات مؤتمر الإفتاء العالمي، المنعقدة تحت عنوان "عولمة القيم والتيارات الفكرية وتحديات الهوية الأسرية"، برئاسة الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، نقاشات موسعة حول جملة من التحديات التي تفرضها التحولات المتسارعة على الأسرة المعاصرة، وما تثيره من تساؤلات حول مستقبل منظومة القيم والهوية الأسرية، في ظل المتغيرات الفكرية والثقافية والتكنولوجية التي يشهدها العالم .
وفي كلمته الافتتاحية، حذر الدكتور عباس شومان من تطبيع المصطلحات الوافدة، مؤكداً أن استخدام مصطلحات مثل "المساكنة" و"المثلية" والتعامل معها باعتبارها صوراً من التقدم والانفتاح، قد يسهم في التقليل من شأن المؤسسات والقيم التي تشكل أساساً لاستقرار المجتمعات، وشدد على أننا وإن كنا نرفض التطبيع مع هذه المصطلحات الغريبة على قيمنا، فإننا لا نصادر على الآخر حريته في استعمالها ما دامت تتسق مع ثقافته وتجربته التاريخية .
وأشار الدكتور شومان إلى أن الأسرة والمؤسسات الدينية والمجتمعية الكبرى تمثل مؤسسات أساسية وضرورية للحد من انحراف المجتمعات والحفاظ على منظومة القيم والهوية الإنسانية، وحول مفهوم "ما بعد الإنسانية"، شدد على أنه لا ينبغي التعامل معه باعتباره حقيقة قائمة بذاتها، قائلاً: "لا يوجد شيء اسمه ما بعد الإنسانية"، موضحاً أن التوسع في استخدام الروبوتات والتقنيات الحديثة لا يعني انتهاء الإنسانية أو تجاوز الإنسان، مؤكداً أن الإنسانية موجودة ولا يمكن أن تنتهي .
تيار ما بعد الإنسانية.. تحديات جديدة أمام الهوية الأسرية
تناول الدكتور أحمد محمد إبراهيم الصاوي، مدرس العقيدة والفلسفة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمياط الجديدة، في بحثه "تيار ما بعد الإنسانية وأثره على الهوية الأسرية"، أحد الاتجاهات الفكرية الجديدة التي برزت في ظل التطور غير المسبوق في مجالات الذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والتقنيات الحيوية، والذي يسعى إلى تجاوز الحدود البيولوجية والطبيعية للإنسان وإعادة تشكيله عبر التكنولوجيا، وإعادة صياغة مفاهيم أساسية مثل الإنسان والجسد والحرية والأسرة والأبوة والأمومة والهوية الجنسية .
وأوضح الصاوي أن أهمية البحث تنبع من حداثة موضوع ما بعد الإنسانية وارتباطه بالثورة التقنية المعاصرة، وتأثير هذا التيار في تشكيل الرؤى المتعلقة بالإنسان والأسرة، والحاجة إلى دراسة عقدية تكشف الأسس الفكرية لهذا التيار، وبيان موقف الإسلام من القضايا المرتبطة بالتحسين البشري والهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى ارتباط الموضوع بمقاصد الشريعة، ولا سيما حفظ الدين والنفس والعقل والنسل .
الممارسات الجنسية غير التقليدية.. تهديد للاستقرار الأسري
في سياق علمي متصل، تناول الدكتور نجاح عثمان أبو العنين إسماعيل، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة دمياط، في بحثه "الممارسات الجنسية غير التقليدية وأثرها على البنية الأسرية"، عناية الشريعة الإسلامية بالأسرة باعتبارها أساس العمران الإنساني، وموطن السكن والمودة والرحمة، موضحاً أن التحولات الفكرية والثقافية التي يشهدها العالم المعاصر أفرزت اتجاهات وسلوكيات تتجاوز الإطار الذي جاءت به الشرائع السماوية لتنظيم العلاقات الجنسية والأسرية .
وأشار الباحث إلى أن أهمية البحث تتجلى في إبراز عناية الشريعة بحماية الأسرة باعتبارها اللبنة الأساسية للمجتمع، ودراسة الآثار الاجتماعية والنفسية والتربوية لبعض الممارسات الجنسية غير المنضبطة بالضوابط الشرعية، والحاجة إلى دراسة مقاصدية تجمع بين التأصيل الشرعي والتحليل الاجتماعي، وقلة الدراسات التي تربط بصورة مباشرة بين هذه الظواهر وبين المقاصد الكلية للشريعة .
الإلحاد الرقمي.. أداة تهدد التماسك الأسري
وفي بحث آخر، تناول الدكتور محمد إسماعيل أحمد العطيوي، مدرس الفقه العام بكلية الشريعة والقانون بطنطا، ظاهرة الإلحاد عبر البيئة الرقمية، باعتبارها من أخطر الظواهر السلبية التي تهدد المجتمعات الإسلامية، موضحاً أن الجماعات الملحدة تستغل هذه البيئة في بث ونشر الفكر الإلحادي، مما ينتج عنه إفساد عقول أبناء الأمة وانهيار الأسر والمجتمعات .
وأكد الباحث أن للإلحاد الرقمي تأثيراً كبيراً على التماسك الأسري، لما يترتب عليه من هدم للقيم الدينية وعصف بالثوابت الأخلاقية وإضعاف للروابط الأسرية، مشيراً إلى أن خطورة الإلحاد الرقمي تمتد إلى الأسر المسلمة، باعتبار أن الأسرة هي اللبنة الأولى والركيزة الأساسية التي يقوم عليها بناء المجتمع وصلاحه، وأن أي اهتزاز في المرجعية الدينية والقيم الأخلاقية يهدد كيان الأسرة بالانهيار .
النظرة المقاصدية.. جدار حمائي للأسرة
كما تناول الشيخ أحمد ربيع أحمد السيد الأزهري، من علماء الأزهر وأئمة وزارة الأوقاف، مكانة الأسرة باعتبارها المؤسسة الكبرى والمدرسة الأهم لتنشئة وبناء الإنسان دينياً ووجدانياً وقيمياً وأخلاقياً، مؤكداً أن بصلاحها ينصلح المجتمع، وبفسادها تهدد هويته وتهتز ثوابته وقيمه .
وانتهى الباحثون إلى أهمية النظرة المقاصدية في صناعة جدار حمائي للأسرة، وإعادة تقديم النمذجة المثالية للأسرة من خلال المناهج الدراسية ووسائل الإعلام، وصناعة برامج تدريبية ومبادرات مجتمعية لنشر الوعي والتثقيف الجنسي بأبعاده الطبية والدينية والأخلاقية .
ويُذكر أن المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، المنعقد بالقاهرة تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، يأتي هذا العام تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة كبار العلماء والسياسيين والمفتين وممثلي المؤسسات الدينية والفكرية من مختلف دول العالم .







