ثمة لحظة خفية في حياة الإنسان لا يسمعها أحد حين يكتشف أن الصورة التي رسمها لنفسه أكبر كثيرًا من المرآة التي تقف أمامه ؛ هناك بين الحلم والواقع يبدأ التشوه ولا يعود الفشل مجرد تجربة عابرة يمكن تجاوزها بل يتحول - إذا استوطن النفس طويلًا - إلى جرح يبحث عن تفسير صم عقدة نفسية شديدة ثم يتحول إلى غضب يبحث عن خصم ؛ هكذا يبدأ الانتقام أحيانًا فهو ليس من الآخر وإنما من صورة الذات التي لم تتحقق ..
محمد ناصر ابن المنيا واحد من النماذج التي يمكن من خلالها تأمل هذه الظاهرة فهو رجل بحث وفق السرد المتداول عن مسيرته عن المجد والأضواء والشهرة ؛ ولم يكن الطريق مغلقًا أمامه منذ البداية كتب أغاني ( لم تنجح ) وشارك بأفلام ممثلا وسيناريست ووصل إلى موقع مدير قصر ثقافة السادس من أكتوبر في سن الثانية والأربعين ثم انتقل بعد سقوط نظام مبارك عام 2011 إلى رئاسة المكتب الفني بصندوق التنمية الثقافية ..
لكن المواقع وحدها لا تصنع المجد ؛ كما أن الاقتراب من دوائر السلطة لا يعني بالضرورة صناعة أثر حقيقي وهنا تكمن المعضلة حين لا تأتي النتائج التي يتخيلها الإنسان لنفسه فيبدأ في مراجعة العالم بدلًا من مراجعة الذات.
تتعقد الحكاية أكثر حين يصبح الطموح حقًا مزعومًا ويصبح عدم الوصول دليلًا على وجود مؤامرة وحين تعوق اللوائح أو الدرجات الوظيفية طموح شخص إلى منصب أكبر يمكن أن يتحول الأمر في داخله من عائق إداري إلى مظلومية كاملة ومن هنا تولد أخطر شماعة: النظام.
فبدل أن يسأل الإنسان: ماذا أنجزت؟ وما الذي كان ينقصني؟ ومن كان أحق مني؟ يصبح السؤال: من منعني؟
وحين تستقر هذه الفكرة يصبح البحث عن الثغرات أكثر إغراءً من البحث عن أسباب الفشل !! قانون ام قرار ام مسؤول ام مؤسسة، أم وطن بأكمله !!
وفي هذه النقطة تحديدًا تبدأ الرحلة الأخطر: رحلة تحويل الإخفاق الشخصي إلى قضية عامة.
فيقرر صاحبنا أن يركب سفينة المعارضة من الخارج وينتقل إلى تركيا حيث يجد مساحة جديدة لممارسة الغضب السياسي والإعلامي ؛ وهنا لا تعود المسألة مجرد اختلاف مع نظام أو موقف سياسي من حكومة إذ يمكن في بعض الحالات أن ينزلق الخطاب إلى مهاجمة الدولة ذاتها وتقديم كل شيء باعتباره دليلًا على الخراب وتحويل الوطن إلى مادة يومية للصراع والتربح الإعلامي.
وليس محمد ناصر وحده في هذه الصورة التي تستحق التأمل فقد ظهر في الخارج عدد من الشخصيات المصرية المماثلة من بينهم معتز مطر وهشام عبد الله ومحمد شومان ووجدي العربي وغيرهم، ولكل واحد منهم قصته ومواقفه ومساره المختلف. لكن الجامع الذي يمكن قراءته في بعض هذه التجارب ليس التطابق في التفاصيل، وإنما سؤال أكبر: ماذا يحدث عندما يتحول الإخفاق الشخصي والفشل في ايجاد مكانة إلى عقيدة سياسية !!
هنا تظهر نظرية مريرة يمكن اختصارها في جملة واحدة:
«أنا فشلت إذن سأنتقم»
المشكلة أن الانتقام لا يعيد للإنسان ما فقده ولا يمنحه موهبة لم يمتلكها ولا يصنع إنجازًا لم يحققه ولا يعيد الزمن إلى الوراء لكنه يمنحه شيئًا أخطر يكمن في وهم القوة.ويصبح الهجوم اليومي بديلًا عن الإنجاز وتصبح السخرية من الوطن بديلًا عن بناء مشروع وتصبح ملاحقة أخطاء الآخرين وسيلة للهروب من مواجهة السؤال الأصعب: ماذا فعلت أنا؟
إن أخطر ما في الفشل ليس أن يسقط الإنسان وإنما أن يعجز عن الاعتراف بسقوطه فالسقوط الصادق يمكن أن يكون بداية جديدة أما السقوط الذي يتحول إلى ضغينة فيبحث دائمًا عن ضحية وهكذا يتحول الإنسان من باحث عن ذاته إلى باحث عن ثأره ومن صاحب حلم إلى صاحب قضية غضب وشر ومن مواطن يختلف مع وطنه إلى شخص يجعل من خصومته معه مصدرًا للهوية والظهور !!
في النهاية ليست كل معارضة خيانة وليس كل نقد عداءً للوطن ؛ كما أن نقد النظام حق لا ينتقص من وطنية صاحبه ولكن الفارق الأخلاقي كبير بين من ينتقد ليصلح ومن يهاجم ليعوض خسارته الشخصية ويبرر فشله .
الوطن يا ليس شماعة لفشل أحد ولا منصة لتصفية الحسابات ومن لم يستطع أن يحقق ذاته في الداخل لن يجد ذاته بالضرورة في الخارج ؛ قد يجد فقط جمهورًا من الخونة يصفق لغضبه ويموله ويصرف عليه أما المجد الحقيقي فلا يُنتزع بالصراخ ولا يُصنع بالحقد ولا يحتاج إلى وطن يسقط كي يعلو صاحبه ...
المجد الحقيقي أن تنجح دون أن تحتاج إلى الانتقام من الذين نجحوا !!