قتيل كل ست ساعات.. الألغام ومخلفات الحرب تواصل حصد الأرواح في سوريا
لا تزال مخلفات الحرب والألغام تشكل عائقًا أمام عودة الحياة إلى مناطق واسعة في سوريا، في وقت تتواصل فيه عمليات إزالة الذخائر غير المنفجرة وسط تحديات ميدانية ونقص في الموارد والخرائط الخاصة بالمناطق الملوثة.
ووثقت منظمة «هالو تراست»، وهي منظمة إنسانية دولية متخصصة في إزالة الأجسام غير المنفجرة حول العالم، إصابة ومقتل قرابة 700 شخص جراء انفجار الألغام ومخلفات الحرب في سوريا منذ بداية عام 2026.
ونقلت وكالة «فرانس برس» (AFP)، في تقرير نشرته الأربعاء، عن مدير برنامج المنظمة في سوريا، سايمون جاكسون، قوله إن انفجار مخلفات الحرب يؤدي، في المتوسط، إلى نحو حالة وفاة أو إصابة واحدة كل ست ساعات.
وقال جاكسون إن الذخائر غير المنفجرة لا تمثل خطرًا مباشرًا على حياة السكان فحسب، بل تعرقل أيضًا جهود إعادة بناء المنازل والأعمال، وتمنع المزارعين من العودة إلى زراعة محاصيلهم، ما يجعلها عائقًا أمام تعافي المجتمع السوري.
وأضاف أن إزالة مخلفات الحرب ستحتاج إلى عشرات السنين على الأقل، حتى في حال مضاعفة وتيرة العمل، مرجحًا أن معالجة المشكلة قد تستغرق ما بين 20 و30 عامًا.
تحديات في إزالة المخلفات
وقال مسؤول العمليات في المنطقة الجنوبية في سوريا لدى منظمة «هالو تراست»، حسين قزحلي، لـ«فرانس برس»، إن فرق المنظمة لم تتمكن، خلال نحو ثمانية أشهر من العمل في حي جوبر بدمشق، إلا من تطهير قرابة 200 ألف متر مربع من الطرق.
وأوضح قزحلي أن عمليات الكشف عن الألغام ومخلفات الحرب تواجه صعوبات ميدانية، في مقدمتها كثرة الركام والمعادن والشظايا، وهي عوامل تعقد عمليات البحث والكشف، إلى جانب نقص الموارد والعاملين المدربين والمعدات المتطورة.
وتعكس هذه الصعوبات حجم المهمة التي تواجه فرق إزالة الألغام، في وقت لا تزال فيه مناطق واسعة ملوثة بمواد قد تشكل خطرًا على السكان، ولا سيما مع عودة أعداد متزايدة منهم إلى منازلهم وأراضيهم.
«بحث بلا خرائط»
وفي السياق نفسه، قال مصدر في وحدات الهندسة التابعة لوزارة الدفاع السورية لـ«فرانس برس» إن الوزارة تنفذ خطة تدريجية لتطهير الأراضي وفقًا للأولويات، مع التركيز على المناطق المأهولة بالسكان والطرق والأراضي الزراعية.
وأشار المصدر إلى أن عمليات التطهير تواجه عدة تحديات، بينها غياب خرائط بعض حقول الألغام، واتساع المساحات الملوثة، فضلًا عن خطورة بعض الذخائر.
وأوضح أن عمليات الكشف تعتمد إلى حد كبير على الخرائط المتوفرة، وبلاغات السكان، وعمليات المسح الميداني، مشيرًا إلى أن الفرق تواجه بشكل رئيسي ألغامًا مضادة للأفراد وأخرى مضادة للآليات.
وبحسب المصدر، قتل 47 عنصرًا من الجيش وأصيب أكثر من 90 آخرين جراء الألغام ومخلفات الحرب، منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024.
وأضاف أن وزارة الدفاع لا تملك حتى الآن تقديرًا دقيقًا لمساحة الأراضي المزروعة بالألغام، موضحًا أن عمليات الكشف المستمرة تؤدي بصورة يومية إلى اكتشاف مواقع جديدة.
ولفت المصدر إلى صعوبة تحديد مدة زمنية دقيقة لإنجاز عمليات إزالة الألغام، في ظل استمرار سقوط قتلى ووقوع إصابات يوميًا جراء هذه المخلفات.
981 عملية إزالة خلال النصف الأول من 2026
وبالتوازي مع عمليات وزارة الدفاع، نفذت فرق إزالة مخلفات الحرب ومكافحة الألغام في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث 981 عملية لإزالة ذخائر غير منفجرة من مخلفات الحرب، إلى جانب 369 عملية مسح غير تقني، خلال النصف الأول من عام 2026.
كما نظمت الفرق 631 جلسة توعية هدفت إلى تعزيز الوعي بمخاطر مخلفات الحرب وسبل الوقاية منها.
وقال مدير إدارة إزالة مخلفات الحرب ومكافحة الألغام في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، أحمد يازجي، في تقرير سابق لـ«عنب بلدي»، إن فرق إزالة مخلفات الحرب تتلقى يوميًا بلاغات مباشرة من السكان العائدين إلى منازلهم، مشيرًا إلى أن عمليات المسح والاستجابة تبدأ فور تلقي تلك البلاغات.
وأضاف يازجي أن العديد من الجهات الحكومية تطلب تنفيذ أعمال مسح في المدارس والمستشفيات وشبكات الكهرباء والخطوط الخدمية، مؤكدًا أن حجم العمل كبير ويتطلب وقتًا وجهدًا وتضافرًا بين مختلف الجهات من أجل تسريع عمليات إزالة المخلفات وتأمين عودة الأهالي إلى مدنهم وقراهم.
وتشمل عمليات إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة معظم المحافظات السورية، وبحسب يازجي، تستحوذ محافظات حماة وحلب وإدلب على النصيب الأكبر من هذه العمليات، نظرًا إلى ارتفاع كثافة التلوث فيها، فضلًا عن كونها مناطق سكنية تشهد عودة متزايدة للسكان.
كما تشهد محافظة دير الزور جهودًا مكثفة لإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، بسبب انتشارها الواسع في المحافظة.
وسجلت الوزارة نحو 70 حالة وفاة وإصابة خلال النصف الأول من عام 2026 بسبب الألغام والذخائر غير المنفجرة، بحسب يازجي، الذي أشار إلى أن نحو 80% من الأراضي السورية لا تزال ملوثة بمخلفات الحرب.
وتشير هذه المعطيات إلى أن إزالة مخلفات الحرب في سوريا لا تقتصر على التعامل مع خطر أمني أو إنساني آني، وإنما ترتبط أيضًا بقدرة السكان على العودة إلى مناطقهم، وإعادة بناء المنازل والمنشآت، واستئناف الزراعة والخدمات، في ظل تقديرات تشير إلى أن معالجة التلوث قد تمتد لعقود.



