عاجل

رئيس ديوان الوقف السني العراقي: المؤسسات الدينية مطالَبة برصد المشكلات الأسرية

رئيس ديوان الوقف
رئيس ديوان الوقف السني

أكد الدكتور عامر شاكر الجنابي، رئيس ديوان الوقف السني في جمهورية العراق، أن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم تفرض على المؤسسات الدينية والإفتائية الانتقال من الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة بعد وقوع المشكلات إلى رصد التحولات الأسرية مبكراً واستباق أزماتها، داعياً إلى تطوير برامج عملية لتأهيل المقبلين على الزواج، وإنشاء مراكز للإرشاد الأسري، وتعزيز التعاون بين مؤسسات الإفتاء والجامعات ومراكز البحوث والمتخصصين .

جاء ذلك خلال كلمته في جلسة الوفود الرسمية ضمن فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي يُعقد في القاهرة على مدار يومين، برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحضور نخبة من الوزراء والمفتين والعلماء والمتخصصين من مختلف دول العالم .

وفي مستهل كلمته، أعرب الجنابي عن سعادته بالمشاركة ممثلاً للعراق وديوان الوقف السني، مثمناً رعاية الرئيس السيسي للمؤتمر، ومشيداً بدور الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم في خدمة القضايا الدينية والفكرية المعاصرة .

وأشار إلى أن اختيار الأسرة موضوعاً للمؤتمر لم يأت من قبيل المصادفة، موضحاً أن الأسرة ظلت على امتداد القرون الحاضنة الأولى للإنسان ومصدر سكينته وتوازنه واستقراره، لكنها تواجه في الزمن الراهن تحولات سريعة وعميقة، بعضها لم يكن من الممكن تصوره حتى سنوات قليلة مضت .

وأضاف أن كثيراً من التغيرات التي طرأت على وسائل التواصل والاتصال ومصادر المعرفة غيرت طريقة تفكير الأبناء، بل وغيرت في بعض الأحيان نظرتهم إلى الزواج والأسرة وبناء العلاقات الإنسانية، مشيراً إلى أن الطفل أو الشاب أصبح يحمل بين يديه عالمًا مفتوحًا لا تستطيع الأسرة دائمًا مراقبته أو التحكم في تفاصيله، وهو ما يضع مسؤولية جديدة على المؤسسات الدينية .

وشدد على أن المؤسسات الدينية لم تعد قادرة على الاكتفاء بتلقي الأسئلة وانتظار تقديم الإجابات، لأن بعض المشكلات إذا تُركت حتى تصل إلى المفتي تكون قد اتسعت وتحولت إلى أزمة يصعب تدارك آثارها .

وأوضح أن السؤال الأسري الذي يصل إلى المفتي قد يبدو في ظاهره سؤالاً فقهياً، لكنه قد يخفي وراءه مشكلة نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو قانونية، الأمر الذي يجعل من غير المنطقي النظر إلى المشكلة بعين واحدة، مؤكداً ضرورة تكامل جهود الفقهاء مع علماء الاجتماع وأطباء النفس وأساتذة القانون وغيرهم من أصحاب الاختصاص، بما يسمح بفهم النازلة الأسرية في أبعادها المختلفة .

وتوقف رئيس ديوان الوقف السني عند ما وصفه بأحد أكبر التحديات التي تدخل البيوت بصورة متسارعة ودون استئذان، وهو العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مسألة تخص خبراء التقنية وحدهم، بل أصبح حاضراً في التعليم والعمل والطب والإعلام، وسيكون تأثيره أشد في حياة الأسرة وتربية أبنائها .

وطرح الجنابي تساؤلات جوهرية حول كيفية تربية الأجيال إذا أصبحت الآلة مصدراً أساسياً للمعرفة، وكيف يمكن الحفاظ على الحوار داخل البيت عندما يصبح لكل فرد عالمه الرقمي الخاص، وكيف تصان خصوصية الأسرة وعلاقاتها الإنسانية في زمن تتدخل فيه الخوارزميات بصورة متزايدة فيما يقرؤه الإنسان ويشاهده ويختاره، مؤكداً أن هذه الأسئلة لم تعد ترفاً فكرياً، بل ينبغي البدء في التفكير فيها منذ الآن قبل أن تتحول إلى مشكلات كبرى .

وشدد على أن التقنية مهما بلغت من التطور لا يمكن أن تحل محل الإنسان في الفتوى، مؤكداً أن الفتوى ليست جواباً آلياً عن سؤال، وإنما عملية مركبة تقوم على فهم النص وفهم الواقع وفهم السائل وأحواله وملابساته، وهي أبعاد لا يجوز اختزالها في الاستجابة الآلية .

وفي ختام كلمته، أكد الجنابي أن المشكلات الأسرية المعاصرة لم تعد تعترف بالحدود الجغرافية، وأن ما يحدث في بغداد قد توجد له صور مشابهة في عواصم أخرى في العالم العربي والإسلامي ، مشدداً على أن التشابه المتزايد في التحديات التي تواجه الأسر يجعل التعاون وتبادل الخبرات بين المؤسسات الدينية والعلمية ضرورة وليس مجرد خيار، خصوصاً في ظل عالم أصبحت فيه المؤثرات الرقمية والثقافية عابرة للحدود .

واختتم كلمته بتأكيد أن مواجهة التحولات الكبرى لا تكون بالاستسلام لليأس أو الخوف من التغيير، ولا بإدارة الظهر للمتغيرات، وإنما بالفهم قبل الحكم، والتفكير الواعي قبل اتخاذ المواقف، معتبراً أن تظل الأسرة موضع سكن ومودة ورحمة رغم ما يحيط بها من تحولات يمثل إحدى أبرز مسؤوليات المؤسسات الدينية في المرحلة الراهنة .

تم نسخ الرابط