عاجل

عندما تتدخل الدولة لتضع القانون فوق الأشخاص، واللائحة فوق الاجتهاد، والمشروعية فوق الأمر الواقع، فإنها لا تنهي مجرد وضع إداري فقد قدرته على التجدد، وإنما تفتح الباب أمام تصحيح مسار مؤسسي طال انتظاره، وتؤكد أن مؤسسات العمل الأهلي لا تُدار بمنطق الملكية الخاصة، ولا تستمد شرعيتها من طول البقاء في المواقع، وإنما من احترام القانون، وصحة الإجراءات، وتجديد الدماء، وتداول المسؤولية؛ فالمواقع العامة تكليف لا تملك، والاستمرار فيها ليس حقًا مكتسبًا، وإنما مسؤولية مؤقتة يحدد القانون مداها، وتحدد الكفاءة جدارة شاغلها. وحده القانون يمنح المشروعية، وصحة الإجراءات تمنح الاستمرار، ونجاح المؤسسة في أداء رسالتها هو المعيار الحقيقي لبقاء أي إدارة.

تأتي أهمية موقف وزارة التضامن الاجتماعي، بقيادة الدكتورة مايا مرسي، تجاه الاتحاد العام للمصريين في الخارج، موقف لم يأتِ جزافًا، ولا كان قرارًا عابرًا، وإنما جاء بعد فحص رسمي دقيق للمستندات ومحاضر اجتماعات مجلس الإدارة ومحضر الجمعية العمومية غير العادية، وانتهت الجهة الإدارية إلى أن إجراءات الدعوة لانتخاب مجلس إدارة جديد لم تكن صحيحة، وأن هناك مخالفات متعددة شابت العملية الانتخابية والإجراءات الخاصة بمحاولة استمرار المجلس في أداء أعماله.

وبحسب خطاب الوزارة، لم تنطبق شروط الترشح على جميع المرشحين البالغ عددهم 18 عضواً، لعدم حصولهم على الموافقات المطلوبة من السفارات أو القنصليات في الدول المرشحين عنها، بالمخالفة للمادة (34) من لائحة النظام الأساسي، كما لم يتم عرض قوائم المرشحين في اليوم التالي لغلق باب الترشح، وإنما اعتمدت القوائم في 11 أغسطس، بالمخالفة للإجراء المنصوص عليه في اللائحة.

ولم تتوقف الملاحظات عند هذا الحد، إذ رصدت الجهة الإدارية كذلك عدم اتخاذ مجلس الإدارة الإجراءات القانونية لفتح باب الترشح قبل انتهاء مدته بما لا يقل عن ستين يوماً، بالمخالفة للمادة (32)، التي تحدد مدة عضوية المجلس بأربع سنوات وتوجب اتخاذ إجراءات انتخاب المجلس الجديد قبل انتهاء المدة بستين يوماً. أما الجمعية العمومية غير العادية التي انعقدت للنظر في استمرار عمل المجلس، فقد شاب إجراءاتها -وفق خطاب الوزارة- عدم تسليم الأوراق المطروحة إلى الجهة الإدارية في الموعد المقرر، فضلاً عن مشاركة أعضاء مجلس الإدارة في التصويت على قرار يتعلق باستمرار المجلس، رغم وجود مصلحة لهم في القرار، بالمخالفة لما أوردته اللائحة.

ثم جاءت الخلاصة التي لا تحتاج إلى تأويل: مدة أعمال المجلس انتهت، ولا يجوز استمرار المجلس في القيام بالأعمال المنسوبة إليه دون وضع قانوني. وهنا تبدأ القضية الحقيقية؛ فالاتحاد العام للمصريين في الخارج ليس مجرد كيان إداري يختزل في مجلس ورئيس ومقاعد، وإنما مؤسسة وطنية يفترض أن تكون صوتاً للمصريين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، وأن تكون جسراً بينهم وبين وطنهم، وأن تستوعب ما يملكونه من خبرات وطاقات وعلاقات وقدرات علمية واقتصادية ومهنية.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه الآن، بكل وضوح، هو: ماذا قدمت الإدارة التي ظلت في موقعها لسنوات طويلة للمصريين في الخارج؟

فإذا كانت السنوات قد امتدت، بينما بقيت المؤسسة جامدة متكلسة، ولم تنجح في استثمار الكتلة الهائلة من الخبرات المصرية بالخارج، فإن الأمر لا يعود مجرد مسألة مدة قانونية انتهت، وإنما يصبح سؤالاً عن جدوى استمرار نمط إداري واحد زمناً طويلاً دون تجديد حقيقي أو ضخ دماء جديدة.

والأخطر أن طول البقاء داخل أي مؤسسة قد يخلق -بمرور الوقت- مناخاً تصبح فيه المؤسسة مرتبطة بشخص أو دائرة ضيقة، بدلاً من أن تكون مفتوحة أمام جميع أبنائها. وهنا يفقد الكيان جزءاً من قدرته على التجدد، وتُهدر طاقات كان يمكن أن تتحول إلى قوة حقيقية تخدم مصر والمصريين في الخارج. لقد آن الأوان لأن يعود الاتحاد إلى أهدافه الأساسية: مؤسسة للمصريين في الخارج، وليس مؤسسة تختزل في شخص واحد، ينفرد بتوجيهها ويُبقي على مجلس إدارة ضعيف لا يملك مقومات النهوض بها؛ فالموقع الإداري ليس ملكًا لشاغله، والاستمرار فيه ليس حقًا مكتسبًا، وإنما مسؤولية مؤقتة يحدد القانون مداها، وتحدد الكفاءة جدارتها. وطول البقاء لا يمنح شرعية، والكرسي لا يمنح صاحبه حقاً دائماً في الاستمرار؛ الشرعية تأتي من القانون، والاستمرار يأتي من صحة الإجراءات، والنجاح يقاس بما تقدمه المؤسسة لمن أنشئت لخدمتهم.

وهنا تحديداً تتجلى أهمية موقف الدكتورة مايا مرسي؛ فالوزارة لم تتعامل مع الملف بمنطق الأشخاص، وإنما بمنطق المؤسسة والقانون؛ فحصت المستندات، راجعت الإجراءات، وحددت المخالفات، ثم أعلنت النتيجة القانونية بوضوح. وهذه رسالة بالغة الأهمية: لا إدارة بلا سند قانوني، ولا استمرار لموقع بعد انتهاء مدته خارج الإطار الذي رسمته اللوائح، ولا إصلاح حقيقياً من دون تجديد الإدارة وفتح الباب أمام الكفاءات.

وإذا كان المصريون في الخارج يمثلون ثروة بشرية هائلة، فإن إهدار هذه الثروة أخطر من إهدار أي مورد آخر؛ ففي الخارج علماء وأطباء ومهندسون ورجال أعمال وأكاديميون وخبراء في مختلف المجالات، يمتلكون خبرات وشبكات علاقات وقدرات يمكن أن تكون إضافة حقيقية للدولة المصرية. وما تحتاجه هذه الطاقات ليس شعارات جديدة، وإنما مؤسسة جادة تستوعبها وتفتح أمامها المجال للمشاركة والتأثير. ومن هنا يجب أن تكون الخطوة المقبلة أكبر من مجرد تغيير أسماء؛ المطلوب إعادة بناء مؤسسي حقيقي، يعيد للاتحاد دوره، ويجعل الكفاءة معياراً للاختيار، والشفافية أساساً للإدارة، وتداول المسؤولية أمراً طبيعياً، والقانون مرجعاً نهائياً.

لقد أغلقت وزارة التضامن صفحة مجلس انتهت مدته، لكنها في الوقت نفسه فتحت صفحة جديدة أمام الاتحاد العام للمصريين في الخارج، صفحة يجب ألا يكون عنوانها استمرار الأشخاص، وإنما استمرار المؤسسة، وألا يكون معيارها طول البقاء، وإنما حجم الإنجاز، وألا تكون غايتها الحفاظ على المواقع، وإنما خدمة ملايين المصريين في الخارج والاستفادة من قدراتهم وخبراتهم.

مايا مرسي لم تضع حداً لمجلس انتهت مدته فحسب، وإنما أعادت وضع المشروعية في مكانها الطبيعي، وفتحت الباب أمام استعادة الاتحاد لدوره الحقيقي: مؤسسة للمصريين في الخارج، بالقانون، وبالكفاءة، وبالشفافية، وبما يليق بمكانة مصر وأبنائها في كل أنحاء العالم.

 

تم نسخ الرابط