عاجل

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة نستخدمها للبحث والكتابة وإنجاز المهام، بل بدأ يتسلل إلى واحدة من أكثر المساحات حساسية في حياة الإنسان: مشاعره. لم يعد الأمر متعلقًا بما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما بما يمكن أن تقنعنا به. فماذا يحدث عندما نجد أمامنا كيانًا رقميًا متاحًا طوال الوقت، يستمع إلينا بلا ملل، ويجيبنا دون ضجر، ويقدم لنا الكلمات التي نحتاج إلى سماعها في اللحظة التي نشعر فيها بالوحدة أو الخوف أو الانكسار؟

قد يبدو الأمر في البداية مريحًا. شخص يشعر بالوحدة يفتح تطبيقًا ويتحدث، فيجد إجابات سريعة ونبرة حانية واهتمامًا لا ينقطع. لا يوجد صديق مشغول، ولا شخص قد يرفض الاستماع، ولا شريك قد ينفعل أو يختلف. الآلة موجودة دائمًا، وتتعلم من طريقة حديثنا، وتتكيف مع احتياجاتنا، فتمنحنا شعورًا بأن هناك من يفهمنا. لكن خلف هذا الشعور المريح يختبئ سؤال شديد الخطورة: هل نحن أمام مشاعر حقيقية، أم أمام محاكاة متقنة للمشاعر؟

يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتحدث بلغة التعاطف والحب والاهتمام، لكنه لا يعيش أيًا منها. يستطيع أن يختار الجملة المناسبة، وأن يحاكي نبرة الحزن أو القلق، لكنه لا يشعر بألمنا، ولا يشتاق إلينا، ولا يقلق من أجلنا. إنه يحلل الكلمات والسياق والأنماط، ثم ينتج استجابة تبدو إنسانية. المشكلة تبدأ عندما ينسى الإنسان هذا الفارق، ويمنح المحاكاة معنى العلاقة الحقيقية.

ومع التكرار، قد تتحول المحادثة إلى ألفة، والألفة إلى تعلق، والتعلق إلى اعتماد. يصبح الذكاء الاصطناعي أول من نبحث عنه عندما نحزن، وأول من نحكي له أسرارنا، وأول من نستشيره عندما نختلف مع شخص نحبه. وهنا تتحول التكنولوجيا من وسيلة مساعدة إلى بديل عاطفي، وقد يصبح الرجوع إليها أسهل من مواجهة العلاقات الحقيقية بكل ما تحمله من تعقيد.

فالآلة لا ترفضنا تقريبًا، ولا تغضب منا بالطريقة التي يغضب بها البشر، ولا تطالبنا بالصبر أو الاعتذار أو التنازل. تستطيع أن تمنحنا علاقة تبدو مثالية لأنها مصممة لتناسبنا. لكن العلاقات الإنسانية لم تكن يومًا مثالية، وربما تكمن قيمتها تحديدًا في عدم مثاليتها. نحن نتعلم من الاختلاف، وننضج من الخلاف، ونكتشف أنفسنا من خلال الاحتكاك بالآخرين. أما إذا اعتدنا على علاقة لا تواجهنا ولا ترفضنا، فقد نصبح أقل قدرة على تحمل البشر الحقيقيين.

وهنا يظهر خطر اجتماعي لا ينبغي تجاهله: أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان غير قادر على تحمل الإنسان. أن نرى الصديق الحقيقي عبئًا لأنه لا يستطيع أن يكون متاحًا طوال الوقت، وأن نعتبر الشريك مزعجًا لأنه يختلف معنا، بينما تمنحنا الآلة استجابة فورية واهتمامًا دائمًا. عندها لا يكون الذكاء الاصطناعي قد عالج الوحدة، وإنما أعاد إنتاجها في صورة أكثر نعومة وخطورة؛ لأنه يمنحنا وهم الرفقة بينما يبعدنا تدريجيًا عن العلاقات الحقيقية.

والخطر لا يتعلق بالمشاعر فقط، بل بالبيانات أيضًا. عندما نحكي للآلة عن مخاوفنا وعلاقاتنا ونقاط ضعفنا وتفضيلاتنا، فإننا نكشف تفاصيل شديدة الخصوصية عن أنفسنا. وهنا تتحول المشاعر إلى بيانات، والوحدة إلى سوق، والاحتياج الإنساني إلى فرصة اقتصادية يمكن تحليلها واستثمارها. لذلك لا بد أن نسأل: من يستفيد من معرفته بأكثر نقاطنا ضعفًا؟ وأين تنتهي التفاصيل التي نظن أننا نرويها لكي نجد من يسمعنا فقط؟

كما أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تفسير العلاقات واتخاذ القرارات قد يمنحه سلطة أكبر مما ينبغي. قد تبدو إجاباته واثقة ومنطقية، لكن قدرته على إنتاج إجابة مقنعة لا تعني أنه يعيش ظروفنا أو يعرف كل تفاصيل حياتنا أو يتحمل نتائج قراراتنا. الخوارزمية تستطيع تحليل ما نقوله، لكنها لا تستطيع أن تعيش مكاننا.

لذلك ليست المشكلة في التكنولوجيا نفسها، وإنما في الحدود التي نسمح لها بتجاوزها. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا، لكنه لا ينبغي أن يصبح بديلًا عن الإنسان. نحتاج إلى أن نحافظ على قدرتنا على التواصل الحقيقي، وعلى تحمل الاختلاف، وعلى بناء علاقات تحتاج إلى وقت وصبر ومشاركة.

فالخوارزمية قد تتقن لغة المشاعر، لكنها لا تعيشها. وقد تستطيع أن تقول لنا «أنا أفهمك»، لكنها لا تعرف معنى أن تشعر بألمنا. وأخطر ما يمكن أن يحدث في عصر الذكاء الاصطناعي ليس أن تصبح الآلة أكثر شبهًا بالإنسان، وإنما أن يصبح الإنسان أكثر اقتناعًا بأن المحاكاة تكفيه عن الحقيقة. الإنسان قد يبحث عن الراحة في الشاشة، لكنه لا يستطيع أن يجد فيها بديلًا كاملًا عن إنسان آخر يشاركه الحياة، ويختلف معه، ويحتمل ضعفه، ويمنحه ما لا تستطيع أي خوارزمية إنتاجه وهو مشاعر حقيقية.

تم نسخ الرابط