عاجل

 

أعترف أنني، مثل كثيرين، أستيقظ في بعض الأيام مثقلًا بالضغوط؛ «زنقة» مالية لا تنتهي، ومسؤوليات تتكاثر، وعمل يلتهم ساعات اليوم، وقلق من الغد لا يمنح العقل فرصة للراحة. وأحيانًا أشعر أن مجرد استيقاظي مبكرًا، وذهابي إلى عملي، وقدرتي على استكمال اليوم، إنجاز يستحق الاحتفاء.

واليوم، بينما كنت أتصفح الأخبار وأنا غارق في هذه الأفكار، توقفت أمام خبر عن أم تعمل في توصيل الطلبات. لا نعرف حتى الآن اسمها، لكننا رأينا رضيعها نائمًا فوق صدرها، وصندوق الطلبات معلقًا على ظهرها. كانت تحمل طفلها ورزقها في اللحظة نفسها؛ الحياة في حضنها، ولقمة العيش فوق كتفيها.

صورة بلا كلمات، لكنها وضعت كل ما أشكو منه في حجمه الحقيقي، وجعلتني أشعر أنني صغير جدًا أمام أناس لا يتحدثون كثيرًا عن أوجاعهم؛ لأنهم مشغولون بمواجهتها.

وما إن رأيت صورة هذه الأم اليوم، حتى أعادت إلى ذاكرتي قصة سارة رشاد، التي شغلت مواقع التواصل قبل أشهر؛ أم تعمل في توصيل الطلبات وتقود دراجتها بينما ترافقها طفلتاها، ريم وريتال.

لم تصطحبهما بحثًا عن لقطة أو تعاطف، وإنما لأنها رفضت أن تتركهما وحدهما في البيت، فحملتهما معها إلى الشارع، وبدأت رحلة عمل قد تمتد لأكثر من اثنتي عشرة ساعة؛ لتدفع إيجار منزل، وتسدد أقساط دراجة، وتوفر طعامًا وتعليمًا لطفلتين أصبحت لهما ـ كما قالت ـ الأب والأم معًا.

أمام هذين المشهدين، تذكرت حجم «الهبل» الذي يملأ الترند كل يوم: مَن خلعت ماذا؟ ومَن ارتدت ماذا؟ ومَن تشاجر مع مَن؟ ومَن قال كلمة فردّ عليه آخر؟ حكايات فارغة نصنع منها أبطالًا، ونمنحها ساعات من اهتمامنا، بينما تمر إلى جوارنا بطولات حقيقية لا تبحث عن كاميرا، ولا تعرف كيف تصنع «ترندًا».

لا أقول إن أوجاعنا وهم، أو إن أحدًا لا يحق له أن يتعب أو يشكو؛ فالألم لا يدخل مسابقة، والضغوط قاسية على الجميع. لكن بعض الصور تعيد ضبط ميزان الإنسان داخلك، وتذكّرك بأن هناك من لا يملك رفاهية التوقف أو الانهيار؛ لأن طفلًا ينتظر طعامه، وإيجارًا ينتظر السداد، ويومًا جديدًا لا يقبل التأجيل.

لكن علينا أيضًا ألا نحوّل قسوة المشهد إلى حكاية ملهمة نُعجب بها لدقائق ثم نمضي. لا يكفي أن نكتب تحت الصورة: «عظيمة يا ست»؛ فالسؤال الأهم: لماذا تضطر أم إلى حمل أطفالها في طرق مزدحمة وخطرة حتى تستطيع العمل؟ وأين الحماية الاجتماعية والتأمين ومكان آمن يضم أبناء العاملات طوال ساعات السعي؟

هاتان السيدتان لا تحتاجان تصفيقًا فقط، بل تحتاجان مجتمعًا يرى كفاحهما، ودولة ومؤسسات وشركات تجعل طريق الرزق أقل قسوة وأكثر أمانًا.

ومنذ أن قرأت خبر الأم اليوم، واستعدت معه قصة سارة رشاد، كلما خُيّل إليّ أن استيقاظي صباحًا بطولة، أتذكر أمًا حملت رضيعها على صدرها وصندوق الرزق على ظهرها، وأخرى حملت طفلتين على دراجتها.

عندها أفهم أن بعضنا يستيقظ ليبدأ يومه، بينما هناك أمهات يستيقظن ليحملن الحياة كلها.

تم نسخ الرابط