عاجل

في الوقت الذي تتزين فيه شوارع القاهرة بأعلام الصين وتفرش السجاجيد الفاخرة للرئيس الصيني الذي تعد زيارته تاريخية بحق إذ لم نشهدها منذ عقد، كان هناك مقدمات كثيرة لتلك الزيارة ما بين ترتيبات وتنسيقات واتفاقيات قد توقع وبروتوكولات قد تجد طريقها للنور، لكن أهم ما حدث قبل تلك الزيارة بالتحديد كان عرض بكين على القاهرة أن تقوم بإنشاء مراكز بيانات ضخمة في مصر وهو العرض الذي تقدمت به شركة هواوي ويشمل 2008 من رقاقات "Ascend"  على أن يتم ذلك خلال فترة لا تتجاوز الـ12 شهرًا.

وللتوضيح أكثر، فعرض هواوي الممتد عبر 102 صفحة من الوثائق التقنية لا يقدم مجرد خوادم عادية بل يطرح منظمة متكاملة لتدريب وتشغيل الذكاء الاصطناعي السيادي، إذ يتضمن العرض تصدير 1408 من رقاقات هواوي الأكثر تطورًا من سلسلة Ascend 950-seriesوتحديدًا طراز 950DT وهي الرقائقة التي تعلو طراز 910 C الشهير، ويعد ذلك أول عملية تصدير مؤكده لها خارج الصين، ناهيك عن 600 رقاقة اخرى لتشغيل مجموعتين من مجموعات  الاستدلال inference clusters لترجمة البيانات بشكل فوري.
العرض الصيني لا يتوقف عند حدود المنظومة التقنية فقط، فالصفقة تمثل شراكة مع عملاق التعرف على الصوت والمراقبة الصيني iFlytek لدمج أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على التعرف على المركبات والأفراد ومطابقتها مع قاعدة بيانات السكان الوطنية وتعبئتها في شاشات عرض بانورامية ذكية للمدن، وبذلك فإن بكين لا تبيع لمصر مجرد معالجات سريعة بل تعرض عليها نقلة تكنولوجية وأمنية شاملة.
هذه النقلة هي بالتحديد ما دفعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقديم عرض منافس على وجه السرعة، تضمن تحرك وزارة الخارجية الأمريكية لتجميع تحالف تقني يضم مايكروسوفت و AMD و Nvidia لتقديم بديل امريكي للحكومة المصرية قبل أن يستقر الرئيس الصيني في القاهرة، كما أرادت واشنطن الفوز بالقاهرة التي تحولت إلى دولة يتنافس الجميع عليها.
وبعيدًا عن من سيفوز وأسباب هذا التنافس، فاعتقد أن دلالة الأمر تشير إلى أنه أكبر بكثير من مجرد مناقصة لإنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي فهو يعكس المكانة التي أصبحت مصر تحتلها في خريطة التكنولوجيا العالمية.

هذا يؤكده دلالات أخرى، فمصر اليوم ليست مجرد سوق كبير تبحث الشركات عن دخوله وإنما أصبحت رمانة ميزان حقيقية في المنطقة إذ أخذنا في الاعتبار أننا نتحدث عن دولة تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا وشبكة ضخمة من الكابلات البحرية الدولية وبنية اتصالات متطورة وسوقًا يتجاوز 100 مليون نسمة، والأهم أنها تمثل بوابة طبيعية للأسواق العربية والأفريقية في الوقت نفسه، وبالتالي من الطبيعي أن تنظر إليها القوى المصدرة للتكنولوجيا باعتبارها مركزًا إقليميا لا يمكن تركه للمنافس.
أضف إلى ذلك أن هذه العروض لم تأتِ من فراغ، فخلال السنوات الماضية استثمرت مصر بصورة واضحة في قطاع التحول الرقمي والبنية المعلوماتية ومراكز البيانات، وافتتحت بالفعل مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية وهو نموذج مهم أثبت قدرة مصر على تنفيذ وتشغيل مشروعات بهذا الحجم، وبالتالي نحن لم نعد نتحدث عن دولة تحاول أن تبدأ من الصفر وإنما عن دولة لديها بنية قائمة وتجربة وخطة واضحة للتحول إلى مركز إقليمي للبيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعي.
لهذا كله فسرعة التحرك الأمريكي بعد العرض الصيني أمر مفهوم خاصة أن واشنطن لا تريد أن تستحوذ التكنولوجيا الصينية وخصوصا هواوي على جزء استراتيجي من البنية الرقمية، وفي المقابل تدرك الصين أن نجاحها في مصر يمنحها نقطة انطلاق شديدة الأهمية في المنطقة ولذلك فالمنافسة هنا ليس فقط على مشروع تجاري ولكن على من سيكون شريك مصر في بناء جزء من بنيتها التكنولوجية للمستقبل.
وبصرف النظر عن من سيفوز في تلك المنافسة، فإن الأكيد أن الطرف الوحيد الفائز في كل الأحوال هو مصر التي ستختار ما يحقق لها أكبر عائد استراتيجي سواء من حيث نقل التكنولوجيا أو توطين الصناعة وتدريب الكوادر المصرية وحجم الاستثمارات، أما فرضية قبول العرضين فهذا سيتوقف على طبيعة المناقصة والمشروعات المطروحة، فقد يكون هناك مشروع محدد يتم اختيار عرض واحد لتنفيذه لكن لا يمنع في الوقت نفسه أن تتعاون مصر مع الشركات الأمريكية والصينية في مشروعات ومجالات مختلفة، فمصر في النهائية كبيرة ما يكفي لكي تتعامل مع الجميع وقوية بما يكفي لكي تختار وفقًا لمصلحتها.

تم نسخ الرابط