عجيبٌ هو التكوين النفسي للمتطرف؛ يرفع القيمة إلى سماء التقديس، ثم يهبط بها إلى وحل الانتهاك بضميرٍ مستريح.
ينشد الحرية في غيابة الضعف، ويوئدها بقسوة في سُدّة التمكين.
يرى العنف إرهابًا إن أصابه، وجهادًا نبيلًا إن صنعته يداه.
يقف محققًا صارمًا يطالب خصمه بالدليل، ثم ينقلب تابعًا مطمئنًا تكفيه الرواية إذا جاءت من جماعته.
والأدهى من ذلك كله أنه قد يمارس هذا الزيف بضميرٍ لا يستشعر جريرة الكذب؛ إذ لا يرى في تناقضه تناقضًا، ولا في ازدواج معاييره خروجًا على الحقيقة التي يزعم امتلاكها.
فكيف يستطيع عقل واحد أن يسكن فكرتين متناقضتين، ثم يخرج منهما باليقين نفسه؟
ربما لأن التناقض، في العقل المتطرف، ليس مجرد خلل في المنطق، وإنما معركة دفاع عن هوية كاملة؛ وحين تصبح الفكرة جزءًا من تعريف الإنسان لنفسه، يصبح الاعتراف بخطئها أكثر كلفة من اختراع تفسير يسمح لها بالبقاء.
العقل حين يحمي نفسه من الحقيقة
في عام 1957، وضع عالم النفس الاجتماعي الأمريكي ليون فستنجر Leon Festinger (1919–1989) مفهوم » التنافر المعرفي« Cognitive Dissonance، موضحًا أن وجود أفكار أو معتقدات أو سلوكيات متعارضة يولد توترًا نفسيًا يدفع الإنسان إلى محاولة تخفيفه.
يقول فستنجر إن وجود التنافر، بما يسببه من عدم ارتياح نفسي، يدفع الإنسان إلى محاولة تقليله.
لكن تقليل التناقض لا يعني دائمًا مراجعة الفكرة الخاطئة؛ فقد يكون الطريق الأسهل هو إعادة تفسير الواقعة التي كشفت تناقضها .
وهنا يبدأ العقل المتطرف في بناء دفاعاته.
فالمتطرف المتأسلم الذي يرفع شعار الشورى يمكنه أن يقبل طاعةً تنظيمية صارمة؛ والمتطرف الصهيوني الذي يستدعي ذاكرة الاضطهاد يستطيع تبرير ممارسات ضد آخرين كان سيرفضها لو وقعت على جماعته؛ والنازي الذي تحدث عن الحضارة والنظام استطاع في الوقت نفسه أن يمنح الاضطهاد والإبادة غطاءً أيديولوجيًا.
قد تختلف الأيديولوجيات في منابتها الفكرية ومساراتها التاريخية، ولا يصح اختزالها في سلةٍ واحدة، غير أن مرضًا نفسيًا واحدًا يجمع بنيتها المتطرفة ويستحق التأمل؛ فحين تصطدم أوهام العقيدة بصخرة الحقيقة، لا تنحني الفكرة الجامدة أمام الواقع، بل تطالبه هو بالانحناء أمامها.
لا تربكه التناقضات
يقدم عالم الاجتماع الأمريكي إريك هوفر Eric Hoffer (1902–1983) في كتابه المؤمن الصادق The True Believer مفتاحًا أكثر قسوة.
يقول عن المؤمن المتطرف:
» لا تربكه التناقضات؛ لأنه ينكر وجودها «
تلك العبارة تنقل المسألة من محاولة حل التناقض إلى محو الاعتراف به أصلًا.
فصاحب الحقيقة المطلقة لا ينظر إلى معتقده باعتباره فرضية يمكن اختبارها، وإنما باعتباره المعيار الذي تُختبر به الأشياء.
فإذا وافقته الوقائع كانت دليلًا على صحته، وإذا ناقضته أصبحت مؤامرةً عليه.
ومن هنا يمكن للهزيمة أن تصبح دليلًا على صلابة العقيدة، وللانتصار أن يصبح دليلًا آخر عليها؛ أي إن النتيجتين المتناقضتين تؤديان إلى اليقين ذاته.
إنها منظومة لا يمكن أن تخسر، لأنها غيّرت قواعد المباراة بعد بدايتها.
علي الوردي .. عالم المثال وعالم الفعل
ومن داخل الفكر العربي، اقترب عالم الاجتماع العراقي علي الوردي (1913–1995) من قلب المفارقة حين تحدث عن التناقض بين المثال والسلوك، فقال:
» أصبحنا نعيش في عالمين متناقضين: عالم الفكر المثالي من ناحية، وعالم الفعل الواقعي من ناحية أخرى «
وهذه الازدواجية تصبح أكثر خطورة عندما ترتدي ثوب العقيدة المتطرفة؛ إذ يستطيع الإنسان أن يحتفظ بالمبدأ في مستوى الخطاب، بينما يمنح نفسه في مستوى الممارسة استثناءات لا يمنحها لخصومه.
وهكذا تنشأ أخلاق ذات ميزانين.
ليس السؤال: هل الكذب جائز؟
بل: من الذي يكذب ولصالح مَن؟
وليس السؤال: هل الاعتداء مدان؟
بل: من المعتدي ومن الضحية وفق خريطة الجماعة؟
وهنا تتحول الأخلاق من قواعد تحكم السلوك إلى أسلحة يُحاكم بها الآخر.
عندما يتغير اسم الخطيئة
يفسر عالم النفس الكندي الأمريكي ألبرت باندورا Albert Bandura (1925–2021) آلية أخرى عبر مفهوم » فك الارتباط الأخلاقي« Moral Disengagement.
فالإنسان يستطيع تعطيل رقابته الأخلاقية دون أن يتخلى صراحةً عن أخلاقه، مستخدمًا آليات مثل التبرير الأخلاقي، وإزاحة المسؤولية، وتقليل حجم الضرر، وإلقاء اللوم على الضحية .
وهنا تكمن حيلة بالغة الخطورة:
لا تغيّر الفعل الدنيء؛ فقط غيّر اسمه
فالقسوة تصبح «ضرورة»، والكذب «مصلحة»، والإقصاء «حماية»، والاعتداء «دفاعًا»، والضحية نفسها قد تتحول في الخطاب إلى مذنب يستحق ما أصابه.
وقد مارست النازية ذلك حين أعادت تعريف البشر وفق تراتبية عنصرية جعلت اضطهادهم قابلًا للتبرير، كما تستطيع أيديولوجيات دينية أو قومية متطرفة إعادة تعريف الآخر بحيث يصبح إخراجه من دائرة الاستحقاق الأخلاقي ممكنًا.
وهكذا يستطيع المرء ارتكاب ما يدينه، دون أن يعترف لنفسه بأنه فعل الشيء ذاته.
عندما يصبح التأويل حقيقة مطلقة
ويأخذنا عميد الأدب العربي طه حسين (1889–1973) إلى طبقة أخرى من المشكلة، حين يحذر من الإفراط في اليقين بقدر تحذيره من الإفراط في الشك، فيقول: «قوم يشكون فيغلون في الشك، وقوم يوقنون فيسرفون في اليقين، أولئك وهؤلاء معرضون للخطأ الشديد، ومخاصمون للعلم» .
وهنا تتبدى المسافة الفاصلة بين العقل النقدي والعقل المتطرف؛ فالأول يجعل اليقين نتيجةً محتملة للبحث، ويقبل أن ينتهي البحث إلى مجرد الرجحان، أما الثاني فيبدأ من اليقين ثم يستدعي الوقائع لتأكيده. وحين يتعلق الأمر بالمقدس تصبح المسألة أشد خطورة؛ إذ قد يمنح الإنسان تأويله البشري حصانة المقدس نفسه، حتى يبدو نقد الفكرة عدوانًا على الحقيقة التي يعتقد أنه يحرسها.
أما المفكر الجزائري محمد أركون (1928–2010) فيذهب إلى منطقة أشد عمقًا بقوله:
»الواقع أن العقل الدوغمائي – الذي يتعامل مع معتقداته بوصفها حقائق نهائية - أغلق ما كان مفتوحًا ومنفتحًا«
فالعقل المغلق لا يقدم الإجابات فحسب؛ إنه يحدد كذلك الأسئلة المحرمة.
وحين يصبح السؤال خيانة، يتخلص التطرف من أخطر خصومه: المراجعة.
الحقيقة التي لا تُهزم
لا ينبغي أن نخدع أنفسنا بالاعتقاد أن كشف تناقض المتطرف يكفي دائمًا لتغيير موقفه.
لقد شرحت حنا أرندت Hannah Arendt (1906–1975) في دراستها للشمولية كيف يمكن للأيديولوجيا أن تصنع عالمًا تتآكل فيه الحدود بين الحقيقة والخيال؛ فالواقع الذي يهدد العقيدة المتطرفة يمكن إعادة تفسيره حتى يعود خادمًا لها.
وهنا تكتمل الدائرة.
يولد التناقض توترًا عند فستنجر، وتنكره العقيدة عند هوفر، وينفصل المثال عن الممارسة عند الوردي، ثم يمنح باندورا السلوك المخالف اسمًا أخلاقيًا جديدًا، بينما يشرح طه حسين وأركون كيف يمكن لادعاء امتلاك الحقيقة أن يغلق أبواب المراجعة.
وعندئذ نستطيع أن نفهم المفارقة:
العقل المتطرف لا يحتاج إلى الانتصار على تناقضاته؛ يكفيه أن يتعلم كيف يتعايش معها.
فإذا امتلك ميزانًا أخلاقياً لنفسه وآخر لخصمه، وقاموسًا يعيد تسمية أفعاله، وعقيدةً متطرفة تفسر كل نتيجة بما يخدم بقاءها، فلن تعود الحقيقة هي التي تختبر الفكرة، بل تصبح الفكرة هي المحكمة التي تستدعي الحقيقة إلى قفص الاتهام.
وربما لهذا لا يبدأ التحرر من التطرف عندما يمتلك الإنسان إجابات جديدة، بل في اللحظة التي يستعيد فيها شجاعة السؤال:
ماذا لو كنتُ أنا المخطئ؟