عاجل

ان زيارة الرئيس الصينى لمصر ليست زيارة دولة أو احتفال بمرور 70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين وإنما تأتي في لحظة يتغير فيها شكل النظام الدولي وتتزايد فيها الصراعات الجيوسياسية وتبحث القوى الإقليمية عن شراكات أكثر تنوعًا وقدرة على حماية مصالحها ومن هنا تكتسب القمة المصرية الصينية أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية لتصبح رسالة بأن مصر قادرة على بناء علاقات متوازنة مع القوى الكبرى دون الانخراط في سياسة المحاور، وهي الزيارة الأولى للرئيس الصيني إلى مصر منذ عام 2016  وتؤكد استمرار الأهمية الاستراتيجية التي توليها بكين لمصر باعتبارها دولة عربية وأفريقية ومتوسطية وتسيطر على قناة السويس وتمتلك موقعًا عبقريا في حركة التجارة العالمية.
وكانت مصر أول دولة عربية وأفريقية واسلامية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين عام 1956 كما دعمت مصر انضمام الصين للأمم المتحدة بديلا لتايوان عام 1971 وهو قرار يعكس مبكرًا استقلال الرؤية المصرية تجاه التحولات الدولية وتكمن أهمية هذا التاريخ بالنسبة إلى بكين أن القاهرة كانت من أوائل العواصم التي تعاملت مع الصين كشريك دولي مستقل بينما ترى مصر في الصين قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى يمكن أن تساعدها في تحقيق أهداف التنمية والتصنيع ولذلك فإن الذكرى السبعين لا ينبغي أن تكون مجرد استعادة للماضي وإنما فرصة للانتقال من الثقة السياسية إلى المصالح الاقتصادية المتبادلة.
وتوقيت الزيارة بالغ الأهمية فالشرق الأوسط يعيش أزمات متعددة والنظام الدولي يشهد منافسة متزايدة بين القوى الكبرى بينما يتزايد دور دول الجنوب العالمي في الاقتصاد والسياسة الدولية وتتحرك مصر في هذه البيئة من خلال سياسة تقوم على تنويع الشراكات لأن التعاون مع الصين لا يعني التخلي عن العلاقات المصرية مع الولايات المتحدة وأوروبا أو روسيا أو الدول العربية وإنما توسيع الخيارات المصرية وتقليل مخاطر الاعتماد على شريك واحد.
وتحمل القمة المصرية الصينية رسالة إلى العالم مفادها أن القاهرة تريد شراكات متعددة الاتجاهات ولكنها تتمسك باستقلال قرارها الوطني حيث تكتسب مصر أهمية خاصة في الاستراتيجية الصينية بسبب موقعها على طريق التجارة بين آسيا وأوروبا وقناة السويس والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس ولكن المصلحة المصرية في المرحلة المقبلة يجب ألا تقتصر على جذب الاستثمارات الصينية وإنما يجب أن تستهدف تحويل مصر إلى قاعدة إنتاج وتصدير.
وتلعب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس دورًا محوريًا من خلال استقطاب صناعات السيارات الكهربائية والإلكترونيات والطاقة المتجددة والكيماويات والصناعات الهندسية والهدف الأهم هو أن تنتج الشركات الصينية في مصر للسوق المحلية والأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة التى أبرمتها مصر مع العديد من دول العالم.
وتتركز أكبر فرصة أمام الشراكة المصرية في نقل التكنولوجيا وبناء القدرات الإنتاجية المصرية ويمكن توسيع التعاون في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والاتصالات والطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية والصناعات الهندسية والتكنولوجيا الزراعية ، مع مرعاة أن نقل التكنولوجيا الحقيقي لا يعني استيراد معدات متقدمة فقط بل يعني تدريب العمالة والمهندسين المصريين وتطوير البحث العلمي وزيادة المكون المحلي وربط الاستثمارات الصينية بالجامعات ومراكز الابتكار .
ويعتبر تجمع بريكس بعد جديد للعلاقة بين البلدين حيث تضيف عضوية مصر في بريكس منذ 2024 بعدًا مهمًا للعلاقات مع الصين فالتعاون لم يعد ثنائيًا فقط وإنما أصبح جزءًا من شبكة أوسع لدول الجنوب العالمي.
كما أن تجديد اتفاق مبادلة العملات بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني في يونيو 2026 بقيمة 30 مليار يوان (حوالى 4.4 مليار دولار أمريكى) يعزز أدوات التعاون المالي بين البلدين ويدعم تسوية جزء من التجارة بالعملات المحلية وإن كان لا يعني الاستغناء عن الدولار وبذلك يمكن أن تصبح العلاقة المصرية الصينية منصة للتعاون في التمويل والاستثمار والتجارة داخل بريكس وليس مجرد علاقة ثنائية.
 وفي ظل أزمات الشرق الأوسط ، يمكن أن تتكامل الدبلوماسية الصينية مع الدور المصري في دعم التهدئة والحلول السياسية خاصة القضية الفلسطينية دون أن يعني أن الصين ستصبح بديلًا عن القوى الإقليمية والدولية الأخرى. 
وعلى الجانب الآخر ، لايتسم رد الفعل الأمريكي على هذه القمة بالقطيعة بل بـ "اليقظة التنافسية الهجومية وتعترف واشنطن أن مصر أصبحت لاعباً محورياً في نظام عالمي مرن ومتعدد الأقطاب وأن سياسة الإملاءات القديمة لم تعد تجدي نفعاً.
 كما تكتسب القمة بُعداً دولياً يرتبط ببناء قواعد النظام العالمي الجديد من خلال محورين رئيسيين:
1-صعود الجنوب العالمي وتفعيل تكتل "بريكس حيث ركز الرئيسان في مباحثاتهما على مفهوم "الجنوب العالمي" وضرورة إصلاح الحوكمة العالمية ومواجهة الأحادية القطبية وتشكل الزيارة أول قمة ثنائية كبرى في القاهرة بعد انضمام مصر الرسمي إلى تجمع"بريكس" وبنك التنمية الجديد، مما يفتح الباب لتوسيع نطاق المعاملات بالعملات المحلية.
2-عقيدة التوازن الاستراتيجي المصري الواعي التى تضع هذه القمة تحت مجهر الاختبار الدولي إذ تؤكد القاهرة بوضوح تمسكها بـ"التوازن الاستراتيجي" فهي تعمق شراكتها مع التنين الصيني وفي نفس الوقت تحرص على تبديد مخاوف واشنطن وذلك لحماية برنامج المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية (1.3 مليار دولار) وهنا تنجح مصر في تحويل التنافس الدولي إلى قوة دفع لصالحها حيث يدفع القلق الأمريكي واشنطن لتقديم تسهيلات أكبر في حين تقدم بكين شروطاً تمويلية تفضيلية لإثبات تفوق نموذجها التنموي.
وفى الختام ، فان زيارة الرئيس شي جين بينج إلى القاهرة تمثل فرصة لإعادة تعريف العلاقات المصرية الصينية في مرحلة جديدة حيث نجح البلدان خلال 70 عامًا في بناء رصيد كبير من الثقة السياسية ولكن التحدي الحقيقي الآن هو تحويل هذه الثقة إلى إنتاج واستثمار وتكنولوجيا وصادرات وفرص عمل.

تم نسخ الرابط