الهوية هي ذلك الشعور الخفي الذي يجعل الإنسان يعرف من يكون، وإلى أين ينتمي؟.. إنها الصلة التي تمنح الإنسان إحساسًا بأن تاريخ المكان الذي يعيش فيه جزء من ذاكرته، وأن في مستقبل هذا المكان جزءًا من مسؤوليته.
ومن هنا يكتسب الحديث عن عودة الوعي بالهوية المصرية أهمية خاصة، فهذه الهوية تشكلت على امتداد آلاف السنين، وفيها تعاقبت على مصر عصور وتحولات كثيرة، بينما ظل هناك خيط ممتد يربط الإنسان بفكرة الوطن الذي يحمل اسم مصر.
ويأتي الانتماء في صميم هذا الإحساس بالهوية، فهو الرابطة التي تجعل الفرد يشعر بأن الوطن يتجاوز حدود المكان الذي يعيش فيه، وأن بينه وبين هذه الأرض تاريخًا ومصيرًا مشتركًا، وأن ما يمسها يمس جانبًا من ذاته وكينونته.
وفي الحالة المصرية يكتسب هذا الانتماء عمقًا خاصًا بفعل الامتداد التاريخي الطويل لتجربة الإنسان على هذه الأرض، فمنذ أقدم العصور ارتبط المصري بالطمي والنيل ارتباطًا وثيقًا، ونشأت حولها مجتمعات أخذت تزداد تظيما واستقرارا، حتى أصبح النهر جزءا أصيلا من تجربته وذاكرته الجمعية.
وقد ظل هذا الامتداد التاريخي أحد المكونات العميقة للهوية المصرية، وإن تفاوت حضوره في الوعي العام من زمن إلى آخر. وخلال السنوات الأخيرة عاد التاريخ المصري إلى المجال العام بصورة لافتة، حيث خرج من قاعات الدراسة وصفحات الكتب ليظهر في الاحتفالات الكبرى والمتاحف، وأصبح تقديم الحضارة المصرية يعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا ووسائل العرض الحديثة.
وكان موكب المومياوات الملكية واحدًا من أكثر المشاهد تعبيرًا عن ذلك، ففي تلك الليلة شاهد المصريون مجموعة من المومياوات تنتقل من مكان إلى آخر، كانوا يتابعون أسماء عرفوها في كتب التاريخ وهي تتحول أمامهم إلى مشهد حي، يمر في شوارع القاهرة وسط الموسيقى والاحتفاء، ومن هنا بدا التاريخ للحظات قريبًا بل وحاضرًا في ذاكرتهم اليومية.
وتتجسد الفكرة نفسها في المتحف القومي للحضارة المصرية، حيث يؤدي دورًا مهمًا في ترسيخ هذه الرؤية، إذ يقدم التاريخ المصري باعتباره مسيرة ممتدة عبر عصور متعاقبة، حلقات متصلة داخل ذاكرة وطن واحد، شارك كل منها في تكوين الشخصية الحضارية لمصر.
كما يمثل المتحف المصري الكبير خطوة أخرى في هذه العلاقة الجديدة مع التاريخ حيث تتحول القطع الأثرية من شاهد صامت خلف الزجاج إلى نافذة تروي قصة إنسان عاش على هذه الأرض قبل آلاف السنين.
وتزداد قيمة هذا الحضور للتاريخ حين يتحول من مجرد معرفة بالماضي إلى وعي بالهوية ومعناها في الحاضر. إن الاعتزاز بالهوية يكتسب قيمته الحقيقية عندما يتحول إلى قوة تدفع الإنسان إلى الأمام، فالحضارة التي تركها المصري القديم لم تقم بالشعارات، وإنما قامت بالعمل والعلم والتنظيم.
وهنا يظهر بُعد آخر مهم في فهم الهوية المصرية، يتمثل في القدم الاستثنائي لفكرة الدولة، فمنذ زمن موغل في القِدم، ومع توحيد البلاد، تشكلت مصر بوصفها كيانًا سياسيًا وجغرافياًا لها مركز للحكم، وتعاقبت فوق أرضها العصور والأسر الحاكمة، بينما ظل هذا الاطار المصري قائما تتراكم داخله خبرات أجيال متعاقبة.
ومن هنا فإن عودة الوعي بالهوية المصرية اليوم تعني إدراك امتداد هذه التجربة عبر الزمن، وفهم الماضي بوصفه بوصفه جزءًا من مسيرة طويلة تصل إلى الحاضر. فالمصري المعاصر يقف في نهاية سلسلة بشرية تمتد إلى زمن سحيق، عاشت فوق الأرض نفسها، وشربت من النهر نفسه، وواجهت أزمنة القوة والضعف ثم واصلت الحياة جيلًا بعدد جيل.
إن إدراك هذا الامتداد يمنح الإنسان إحساسًا مختلفًا بوطنه، فعندئذ تنتقل مصر، في وعيه، من مجرد المكان الذي ولد فيه، إلى قصة طويلة أصبح هو أحد فصولها.
وربما تكون هذه هي البداية الحقيقية لعودة الوعي بالهوية المصرية: أن يعرف المصري تاريخه، وأن يشعر بامتداد جذوره في هذه الأرض، وأن يدرك أن الانتماء إليها يحمل معه مسؤولية تجاه حاضرها ومستقبلها، فيتحول الفخر بمن سبقوه إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا سيضيفه هو إلى هذه المسيرة؟