عاجل

"من يشرب مياه نهر النيل، يعود إليه مرة ثانية" بهذه الكلمات عبّر الرئيس الصيني شي جين بينغ عن عمق مشاعره تجاه مصر خلال زيارته للقاهرة، في إشارة إلى قوة الروابط التي تجمع الشعبين والبلدين. وتأتي زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة، لتمنح العلاقات المصرية الصينية دفعة جديدة، وتؤكد رغبة البلدين في توسيع مجالات التعاون وتعزيز الشراكة بينهما.
وتنطلق هذه الشراكة من رؤية مشتركة تتجاوز حدود التعاون الثنائي، لتشمل تصورًا أوسع لمستقبل النظام الدولي والعلاقات بين دول العالم. حيث تستند الرؤية المصرية الصينية لبناء نمط جديد للعلاقات الدولية إلى مجموعة من المصالح والرؤى المشتركة، في مقدمتها تعزيز مبدأ المساواة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم التعاون وتحقيق المصالح المشتركة. كما يتطلع البلدان إلى الإسهام في بناء نظام دولي أكثر توازنًا يقوم على التعددية القطبية بدلًا من النظام أحادي القطب، بما يعزز دور الدول النامية ودول الجنوب في صياغة النظام الدولي، ويفتح المجال أمام إقامة علاقات دولية أكثر عدلًا وتوازنًا. وقد شكلت هذه الرؤية المشتركة أساسًا مهمًا لتطور العلاقات المصرية الصينية على مدار العقود الماضية، وهو ما يمكن تتبعه من خلال محطات تطورها التاريخي.
وتتوافق هذه الرؤية مع المبادئ الخمسة للتعايش السلمي، المعروفة باسم مبادئ بانشيل، والتي تقوم على احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي. وقد أسهمت هذه المبادئ في تشكيل النهج الصيني تجاه العلاقات الدولية وتعزيز التعاون مع دول الجنوب
من جذور التاريخ إلى العصر الحديث: تطور العلاقات المصرية الصينية
1-تعد مصر أول دولة عربية وإفريقية اعترفت رسميًا بجمهورية الصين الشعبية وأقامت علاقات دبلوماسية معها في 30 مايو 1956. وهو ما منح هذه العلاقات عمقًا تاريخيًا وسياسيًا ميزها عن غيرها من العلاقات الثنائية، وأسس لقاعدة صلبة من الثقة المتبادلة جعلتها نموذجًا رائدًا للتعاون بين دول الجنوب، كما أرست هذه الشراكة المبكرة أساسًا متينًا لتطور العلاقات بين البلدين على مدار العقود التالية، لتتسع مجالات التعاون من التبادل السياسي والدبلوماسي إلى الشراكة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والثقافية، وصولًا إلى تنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية، بما يعكس حرص القاهرة وبكين على ترسيخ علاقات استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
2-مرحلة الستينيات والسبعينيات: على الرغم من التحديات الإقليمية والدولية وأحداث حرب 1967، حافظت بكين على دعمها للقضايا العربية ولسيادة مصر. وخلال فترة الثورة الثقافية الصينية عندما استدعت الصين معظم سفرائها حول العالم، ظلت السفارة الصينية في القاهرة مفتوحة كاستثناء يعكس متانة التمثيل الدبلوماسي.
3-نهاية الحرب الباردة وبداية التسعينات، بدأت العلاقات المصرية الصينية تأخذ طابعاً عملياً أكثر وضوحاً، مرتبطاً بشكل مباشر بالتجارة والتعاون الاقتصادي، بعيداً عن الإطار الأيديولوجي والسياسي الذي غلب عليها في العقود السابقة؛ وقد تجلى هذا التحول في توقيع اتفاق التعاون الاستراتيجي عام 1999، الذي وضع أسساً مؤسسية للتعاون الثنائي شملت المجالات التجارية والاستثمارية والثقافية, مكافحه الارهاب ,التكنولوجيا والطاقه والبنيه التحتيه.
4-بعد عام 2014، شهدت العلاقات المصرية الصينية على الصعيدين السياسي والدبلوماسي نقلة نوعية تجسدت في استقرار مؤسسي غير مسبوق وعمق استراتيجي واضح، تمثل في تواتر اللقاءات القمية بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جينبينج
وفي إطار مفهوم الدبلوماسية الشاملة ذات الخصائص الصينية، التي طرحها شي جين بينغ عام 2014، والتي تتسم بالتوازن والشمول، وتؤكد سعي الصين إلى التواصل مع جميع الدول، بغض النظر عن الحسابات السياسية أو الانتماءات الأيديولوجية، وذلك في إطار مفهوم المصير المشترك وتعظيم الاستفادة المشتركة.
وجاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر عام 2016 تتويجًا لمسار متنامٍ من العلاقات بين البلدين، حيث شهدت الزيارة توقيع 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت استثمارات ومشروعات واسعة النطاق، تجاوزت قيمتها 15 مليار دولار
وخلال السنوات التالية، واصل الرئيس عبد الفتاح السيسي تعزيز الحضور المصري في الفعاليات الدولية التي تستضيفها الصين، من بينها قمم مجموعة العشرين وبريكس، ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي، ومنتدى الحزام والطريق. وفي مايو 2024، أجرى الرئيس السيسي زيارة إلى الصين تزامنت مع مرور عشر سنوات على تدشين الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، حيث أعلن الجانبان أن عام 2024 سيكون عام الشراكة المصرية الصينية، تأكيدًا على عمق العلاقات وتنامي التعاون بين القاهرة وبكين.
وامتدادًا لهذا المسار التاريخي، تشهد العلاقات المصرية الصينية اليوم مرحلة جديدة من التعاون، ترتكز على تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتوسيع آفاق التعاون في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، بما يعكس عمق العلاقات بين القاهرة وبكين وحرصهما المشترك على دفعها نحو مزيد من التطور والنمو.
الشراكة المصرية الصينية: تنوع مجالات التعاون وآفاق المستقبل
تحولت بكين إلى شريك تجاري واستثماري رئيسي للقاهرة، مدفوعة بتلاقي الرؤى الاقتصادية المشتركة، وحرص البلدين على توسيع نطاق التعاون التجاري والاستثماري، بما شمل تنفيذ العديد من المشروعات في قطاعات حيوية، أبرزها الصناعة والطاقة والنقل والبنية التحتية. كما شهدت العلاقات الاقتصادية نموًا ملحوظًا في حجم التبادل التجاري والاستثمارات الصينية في مصر، بما أسهم في دعم خطط التنمية الاقتصادية وتعزيز فرص التعاون بين القطاعين العام والخاص في البلدين.
خلال الفترة من 2008 إلى 2013، بدأت إحدى المراحل المهمة في تطور التعاون الاقتصادي بين مصر والصين من خلال المنطقة الصناعية الصينية في العين السخنة، التي طورتها شركة «تيدا» الصينية. وقد مثلت المنطقة نموذجًا مبكرًا للاستثمار الصيني في مصر، وأسهمت في جذب عدد من الشركات والاستثمارات الصينية إلى السوق المصرية، فضلًا عن دعم التعاون في المجالات الصناعية والتجارية ونقل الخبرات والتكنولوجيا. كما عززت المنطقة من مكانة مصر باعتبارها مركزًا صناعيًا ولوجستيًا يمكن من خلاله النفاذ إلى الأسواق الإقليمية، وهو ما شكل أساسًا مهمًا لتوسيع نطاق الشراكة الاقتصادية بين البلدين. 
ومع إطلاق مبادرة «الحزام والطريق» الصينية عام 2013، اتخذ التعاون المصري الصيني مسارًا أكثر شمولًا، حيث أصبحت مصر إحدى الدول ذات الأهمية الاستراتيجية في تنفيذ المبادرة، نظرًا لموقعها الجغرافي المتميز وإشرافها على قناة السويس التي تمثل أحد أهم الممرات التجارية العالمية. وفي عام 2016، وقعت مصر والصين مذكرة تفاهم بشأن التعاون في إطار المبادرة، لتتوسع مجالات الشراكة لتشمل مشروعات البنية التحتية والنقل والطاقة والموانئ والاتصالات والمناطق الصناعية. ومن ثم، لم تعد العلاقات الاقتصادية بين البلدين تقتصر على الاستثمارات والمشروعات المنفردة، وإنما أصبحت جزءًا من إطار أوسع للتكامل الاقتصادي، يعزز الدور المصري كمحور للتجارة والاستثمار بين آسيا وأفريقيا وأوروبا
ويُعد انضمام مصر إلى مجموعة بريكس محطة مهمة في مسار التعاون المصري الصيني، إذ يفتح المجال أمام تعزيز الشراكة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين البلدين، إلى جانب توسيع أطر التعاون مع دول المجموعة. كما يعكس انضمام مصر توجهها نحو تنويع شراكاتها الدولية وتعزيز حضورها في التكتلات الاقتصادية الصاعدة، بما يتوافق مع الرؤية المصرية الصينية الداعمة لتعددية الأقطاب، وزيادة دور دول الجنوب في صياغة ملامح النظام الاقتصادي والسياسي الدولي.
ويمثل التعاون العسكري أحد الأبعاد المهمة في مسار العلاقات المصرية الصينية، إذ شهد تطورًا ملحوظًا من خلال تبادل الخبرات والتدريب المشترك بين القوات المسلحة في البلدين. ويأتي في مقدمة مظاهر هذا التعاون التدريب المشترك «نسور الحضارة»، الذي يعكس مستوى متقدمًا من التنسيق العسكري وتبادل الخبرات، ويسهم في تعزيز القدرات التدريبية والعملياتية لدى الجانبين. كما يعكس هذا التعاون تنامي الثقة المتبادلة بين القاهرة وبكين، واتساع نطاق الشراكة بينهما لتشمل الأبعاد الدفاعية والأمنية إلى جانب المجالات السياسية والاقتصادية.
تكشف مسيرة العلاقات المصرية الصينية أن قوة هذه الشراكة لا ترتبط بمجال واحد، وإنما بقدرتها على التطور والتكيف مع المتغيرات الدولية المتلاحقة. فالتعاون بين البلدين أصبح أكثر تنوعًا، وأصبحت القاهرة وبكين تمتلكان مساحات أوسع للتنسيق في القضايا الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. ومع استمرار التحولات في بنية النظام الدولي، تبدو الشراكة المصرية الصينية أمام مرحلة جديدة يمكن أن تنتقل فيها من مجرد الاستفادة المتبادلة إلى الإسهام بصورة أكبر في صياغة أجندة التعاون بين دول الجنوب، وطرح نموذج لعلاقات دولية تقوم على تنويع الشراكات، وتعدد مراكز التأثير، وتعزيز المصالح المتبادلة.

تم نسخ الرابط