ماهذا الصدام البصري والثقافي المفجع الذي استيقظنا عليه! كيف وجدت هوجة "الافروسينتريك" طريقها لميدان التحرير؟
نعم هذا أمر عجيب، فجاة ودون مقدمات ظهرت رسوما ساذجة تحمل ملامح إفريقية لملوك مصر القديمة تحتل الجدار المحيط بمتحف التحرير العريق، كيف ولماذا ترك هذا المشهد ليتصدر الهوية البصرية لأهم ميدان بالقاهرة، والذي يحمل تاريخاً ورمزية كبيرة ويخضع لأعلى درجات التنظيم والتأمين والاهتمام، في واقعة غريبة، عجيبة، ومريبة؟!
إن ما حدث على سور المتحف المصري مرفوض شكلاً وموضوعاً، ولا يمكن تمريره تحت أي مسمى ولو كان أكذوبة الفن العشوائي، ففي عالم تنسيق المدن والحفاظ على النسق الحضاري، هناك قاعدة ذهبية تقول: "أبو بلاش ما يلزمناش".
لا.. لا نحتاج لفن مجانيّ! ولا فن تلقائي، ولا فن عشوائي، ولا ما يسمى بـ "الفن الشبابي" إن كان سيُتخذ ذريعة للتشويه.
تلك الكلمات البراقة لا وزن لها في معيار الفنون الأصيلة، ولا تعبر عن أي قيمة فنية أو اجتماعية. إنها في حقيقتها مجرد مبررات واهية للجهل، والرخص، وعدم النضج الفني، والنتيجة التي رأيناها واضحة تماماً وتتحدث عن نفسها بانحطاط بصري وتاريخي لا يجب ان يمر مرور الكرام، فتلك من الكبائر الحضارية، ولا أي منطق مقبول لتبرير ما حدث أو تجميل هذا العبث.
إن ترك مساحاتنا العامة، وتحديداً تلك الملاصقة لأعظم متاحفنا، عرضة للاجتهادات الفردية هو جريمة في حق الذوق العام.
مصر ولّادة، ومليئة بالفنانين التشكيليين العظام والشباب الواعدين الموهوبين بحق. إذا كان هناك توجه للتجميل، كان لابد من إقامة مسابقة رسمية تنظمها وزارة الثقافة، ويُطرح فيها موضوع محدد ومدروس للجدارية، تحكمه لجان متخصصة من كبار الفنانين وأساتذة التاريخ والآثار.
هكذا تتشكل ملامح المدن العريقة، وتُحترم المساحات العامة، فهي لا تُترك أبداً للمزاج الشخصي، أو الاجتهاد الذي يدعي البراءة والفهلوة لتحقيق انتشار مزيف، لعنة الله على التريند وعلى كل هوجة عابرة تعبث بتاريخنا وبالنسق الحضاري لمدننا.
لقد حان الوقت لكي نقف جميعاً وبحزم لنقول لا للاضمحلال والسطحية باسم الفن. لا يحق لأحد أن يستبيح تاريخنا ووعينا البصري تحت ستار المبادرات المجانية التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الوعي بالتراث. مصر كبيرة جداً، وتستحق فناً حقيقياً يحمل تعبيراً وتجريباً وإبداعاً وابتكاراً، وثقافة مصرية أصيلة.