عاجل

يتشابه رمز حورس الذي يراقب من السماء، ويعتبر رمزًا للقوة والهيبة والسيادة والبصيرة كأنه حارس فرعوني لم يغادر السماء منذ آلاف السنين، مع رموز صينية تتشابه في الحضارتين المصرية والصينية القديمتين؛ ولهذا فإن البعض يرى أن حورس سيعود من جديد، خاصة وأن الصفقة المنتظرة لشركة هواوي الصينية لتزويد جهات حكومية مصرية بنحو 2000 شريحة متقدمة مخصصة للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ستتضمن الحلول لأنظمة للتعرف على الأفراد والمركبات بالربط مع قواعد بيانات وطنية، إلى جانب منظومة مراقبة حضرية تصفها الشركة بأنها توفر رؤية شاملة للمدن. ويأتي ذلك مع استمرار التركيز الأمريكي على نقل التكنولوجيا إلى دول خليجية محددة مثل السعودية والإمارات وتجاهل مصر، على الرغم من إعلان مصر بشكل واضح أنها تسعى إلى توسيع بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي وزيادة مساهمة القطاع في الاقتصاد.

وتثير تلك الصفقة اهتمام العديد من دول العالم، خاصة وأنها تأتي متزامنة مع زيارة رئيس الصين "شي جين بينغ" لمصر، والتي تعد واحدة من أهم الزيارات لرؤساء أجانب لمصر؛ نظرًا لأنها زيارة دولة ثنائية ستتمخض عنها اتفاقيات ومذكرات تفاهم مهمة، ليس فقط على مستوى العلاقات الثنائية، ولكن على مستوى التوازنات الدولية بشكل عام. فمصر تتبع سياسة تفضل عدم الدخول في تحالفات أو الاعتماد بشكل أساسي على قوة واحدة، وهو درس تعلمته دول الخليج بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. مصر منذ 2014 لديها علاقات جيدة مع روسيا والصين وأمريكا، وقد أجرت مصر والصين مؤخرًا تدريبات جوية مشتركة تحت اسم "نسور الحضارة 2026" في 22 أغسطس الحالي، وهو الثاني من نوعه بين البلدين، وهو ما يعكس اتساع نطاق التعاون الثنائي في وقت تتجه فيه العلاقات إلى عامها السبعين.

وبالتزامن مع ذلك، قد يتم توقيع اتفاقية خلال الزيارة بالنسبة لعرض شركة هواوي الصينية لتزويد جهات حكومية مصرية بنحو 2000 شريحة متقدمة مخصصة للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي؛ حيث تعد مصر نقطة استراتيجية مهمة للربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا بسبب قناة السويس وموقعها على طرق التجارة العالمية، وهو ما يجعل تعميق التعاون الصيني مع القاهرة ذا أبعاد تتجاوز الاستثمار والتجارة. والمعروف أن العلاقات المصرية الصينية ارتفعت لمستوى الشراكة الاستراتيجية عام 1999، ثم إلى شراكة استراتيجية شاملة عام 2014، قبل أن تشهد توسعًا كبيرًا في مشروعات البنية التحتية والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا.

وتمتد العلاقات المصرية الصينية منذ آلاف السنين؛ حيث تشابهت الحضارة المصرية الأقدم من الحضارة الصينية بأن مجتمعاتهما كانتا تسيطران على مساحات شاسعة وتشيدان عمارة ضخمة، كما توجد رموز متكررة في الحضارتين مثل زهرة اللوتس: رمز النور والنقاء والبصيرة، والصقر أو حورس: الذي يراقب من السماء ويعتبر رمزًا للقوة والهيبة والسيادة والبصيرة، وأيضًا رمز الجعران أو الخنفساء: وهو رمز التجدد والحياة. وبالتالي تتشابه الحضارتان اللتان كانتا تتعاملان مع أنهار كبيرة (النيل، النهر الأصفر) وأجهزة بيروقراطية.

وفي العصر الحديث تعد العلاقات المصرية الصينية نموذجًا للتواصل والتفاهم؛ ولهذا فهناك اهتمام كبير بالاحتفال العام الحالي بمناسبة مرور سبعين عامًا على عقد العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين الشعبية، ويعد البلدان من مؤسسي حركة عدم الانحياز منذ أول لقاء جمع الجانبين: الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ورئيس مجلس الدولة الصيني "شو إن لاي" خلال الفترة من 18 حتى 24 أبريل عام 1955 على هامش مشاركتهما في المؤتمر الأفروآسيوي في مدينة باندونج بإندونيسيا.

وقد اعترفت مصر بالصين في 30 مايو 1956، حيث أصدرت الحكومتان بيانًا مشتركًا لإقامة علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء. مثّل هذا اعترافًا مهمًا خاصة وأن مصر كانت أول دولة عربية وأفريقية تقوم بذلك، وصدر بيان مشترك بين الحكومتين المصرية والصينية في نفس اليوم لإقامة علاقات دبلوماسية. كان هذا الاعتراف خطوة مهمة وفتح الباب أمام الصين لإقامة علاقات رسمية مع دول عربية وأفريقية أخرى، كما من المنتظر عقد القمة الصينية العربية هذا العام في الصين، حيث عقدت أول قمة في السعودية في ديسمبر عام 2022.

وتعد زيارة الرئيس الصيني لمصر هي الثانية على مدار عشر سنوات. وهناك تنافس حاليًا بين شركة هواوي الصينية وشركات أمريكية للفوز بمناقصة مصرية للذكاء الاصطناعي، وقد يمنح فوز هواوي بها فرصة تضع لها موطئ قدم مهم خارج الصين بعد أكثر من عام من محاولات فتح أسواق تصدير لرقائقها المتقدمة دون نتيجة معلنة. وبالطبع فإن واشنطن سارعت للضغط على مصر لمنع إتمام تلك الصفقة وربما تقديم عرض بديل، وكذلك تم الموافقة على تعاون استراتيجي بين أمريكا وإثيوبيا في ورقة ضغط جديدة على مصر تظهر حقيقة من كان خلف دعم إقامة السد الإثيوبي في المقام الأول، خاصة وأن العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية تشهد ازدهارًا، الأمر الذي يوضح حقيقة من الذي ضغط باستخدام عملائه لإسقاط مصر في الفوضى بعد 2011 للإسراع ببناء السد الإثيوبي ووقف المشروع النووي السلمي المصري وإضعاف مصر اقتصاديًا وعسكريًا، ولكنهم فشلوا في ذلك.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن شركة هواوي الصينية قدمت عرضًا في المناقصة يشمل 1,408 شريحة من سلسلة Ascend 950 لبناء بنية سحابية مخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى 600 شريحة أخرى (من السلسلة نفسها أو من طراز 910B الأقدم) لتشغيل هذه النماذج بعد تدريبها، ضمن خطة تنفيذ مدتها 12 شهرًا. الأمر الذي أثار قلق واشنطن، خاصة وأن الرقائق سيتم استخدامها في بنية تحتية موجهة للاستخدامات الحكومية المصرية، بينها تطبيقات عسكرية وأمنية ومراقبة، وقد جاء العرض بالشراكة مع iFlytek الصينية، المدرجة على قائمة الكيانات الأمريكية المقيدة منذ 2019.

وهناك قلق أمريكي على الرغم من أن المشروع متواضع الحجم مقارنة بمشروعات الذكاء الاصطناعي العملاقة الجاري بناؤها في الخليج، لكن أهميته لا تكمن في حجمه بقدر ما تكمن في مصر التي قد تصبح أول عميل حكومي كبير لمنظومة Ascend خارج الصين. وتستهدف مصر عبر استراتيجيتها الوطنية الثانية للذكاء الاصطناعي أن يصل الأثر الاقتصادي المباشر للذكاء الاصطناعي إلى نحو 7.7% من الناتج المحلي بحلول 2030، وهو هدف معلن.

ولهذا تواصلت وزارة الخارجية الأمريكية مع Nvidia وAMD ومايكروسوفت في محاولة لتشكيل عرض أمريكي منافس، لكن حتى الآن لم يتأكد ما إذا وافقت الشركات الثلاث فعليًا على عرض موحّد، ربما لعلمها أن واشنطن تملك أداة نفوذ عملية إضافية وهي أن شحنات رقائق الذكاء الاصطناعي إلى مصر تتطلب موافقة أمريكية منذ 2023، ما يعني أن أي عرض -أمريكيًا أو صينيًا- لا يجري في سوق مفتوحة بالكامل. وهذا يطرح سؤالًا محددًا: هل تستطيع القاهرة بناء بنية ذكاء اصطناعي بتكنولوجيا صينية دون أن تصطدم بقواعد التصدير الأمريكية التي تحكم جزءًا مما قد تحتاجه لاحقًا؟

ولهذا سارعت وكالات إعلامية أجنبية بوصف مصر بأنها "أحدث ساحة صراع تتقاذفها القوى التقنية المهيمنة" في واحدة من أوضح الحالات حتى الآن التي تتنافس فيها واشنطن وبكين بشكل مباشر على مناقصة حكومية واحدة للبنية التحتية الرقمية. خاصة وأن مصر ثاني أكبر اقتصاد في أفريقيا بأكثر من 100 مليون نسمة، ومركز إقليمي يربط أفريقيا بالشرق الأوسط، وحليف أمني تقليدي لواشنطن، وفي الوقت نفسه شريك استراتيجي متنامٍ لبكين؛ وبالتالي فإن فوز هواوي هنا لن يمنحها عميلًا واحدًا فحسب، بل موطئ قدم إقليميًا قد تنطلق منه لاحقًا نحو أسواق مجاورة.

ولهذا فقد برز سؤال واضح بعد الكشف عن تقديم هواوي بعرضها لمصر وهو: هل تستطيع القاهرة أن تستخدم التنافس بين واشنطن وبكين للحصول على أفضل عرض من كل طرف، دون أن تتحول بنيتها الرقمية نفسها إلى ساحة نفوذ لا تريد الدخول فيها نظرًا لسياسة مصر المتزنة التي تسعى لعدم الدخول في تحالفات، ولكن في نفس الوقت البحث عن مصالحها القومية وهو أمر أشبه بالسير على الحبال في الهواء؟ لننتظر ونرى.

تم نسخ الرابط