في بعض القضايا، لا تحتاج الحقيقة إلى عشرات الأسئلة، وإنما تحتاج إلى سؤال واحد لا يريد أحد أن يجيب عنه بوضوح. وهذا تحديدًا ما كشفته المواجهة التي جمعت الإعلامية علا شوشة بمحامي أم يوسف، حين تحوّل مستند يفترض أنه قادر على تحديد موعد سفر الطفل إلى ما يشبه «الورقة الغائبة»، التي حضرت في الحوار أكثر مما حضرت أي إجابة واضحة عنها.
القضية لم تعد مجرد قصة طفل ومرض وتعاطف ودعوات إلى المساعدة. عندما تدخل الأموال والتبرعات والتحويلات والحسابات ومواعيد السفر والمستندات إلى المشهد، يصبح من حق الجمهور أن ينتقل من مرحلة التعاطف إلى مرحلة السؤال، ومن حقه أن يعرف أين ذهبت الأموال، وما الذي حدث، ومتى كان يفترض أن يسافر الطفل، وما المستند الذي يثبت ذلك.
وهنا تحديدًا كانت علا شوشة في موقع مهني يستحق الإشادة. لم تدخل المواجهة لتصدر حكمًا، ولم تتقمص دور النيابة أو المحكمة، ولم تقل إن عدم تقديم المستند يعني إدانة أحد. فعلت شيئًا أكثر أهمية وأصعب في الإعلام: سألت السؤال نفسه مرة أخرى، ثم عادت إليه عندما حاول الحوار أن يذهب إلى مساحات أخرى. وهذه ليست مناورة إعلامية، بل هي جوهر العمل الإعلامي.
المشكلة أن بعض الضيوف حين يجدون أنفسهم أمام سؤال محدد، يعتقدون أن أفضل وسيلة للدفاع هي إغراق السؤال في بحر من التفاصيل. يتحدثون عن النوايا، وعن الضغوط، وعن الهجوم، وعن حملات التشكيك، وعن كل شيء تقريبًا، إلا النقطة التي يريد الجمهور معرفة حقيقتها. وهنا يصبح الصمت عن الإجابة أكثر إثارة من السؤال نفسه.
محامي أم يوسف من حقه أن يدافع عن موكلته، وهذا حق لا جدال فيه. ومن حقه أيضًا أن يمتنع عن تقديم مستند إذا كان هناك مانع قانوني أو إجرائي يمنع عرضه. لكن ما يصعب فهمه إعلاميًا هو أن يتحول السؤال عن مستند محدد إلى معركة كلامية بدلًا من أن تكون هناك إجابة محددة تضع الأمور في نصابها. فإذا كان المستند موجودًا، فلماذا لا يُقال بوضوح لماذا لا يمكن عرضه؟ وإذا كان غير موجود، فلماذا لا تُقال هذه الحقيقة؟ وإذا كان موجودًا لكنه لا يثبت ما يعتقده البعض، فلماذا لا يتم توضيح ذلك؟ ثلاثة أسئلة بسيطة، وكان يمكن لإجابة واضحة عن أحدها أن توفر كثيرًا من الكلام.
لكن ما حدث جعل الورقة الصغيرة تبدو وكأنها أصبحت أكبر من الحوار نفسه. وهنا تحديدًا تظهر براعة علا شوشة. الإعلامي الحقيقي ليس من يصرخ أكثر، ولا من يقطع كلام ضيفه أكثر، ولا من يملك القدرة على تحويل الاستوديو إلى حلبة. الإعلامي الحقيقي هو الذي يعرف أين توجد النقطة الجوهرية، ويتمسك بها حتى لا تضيع الحقيقة وسط الزحام.
وعلا شوشة فعلت ذلك. كانت تعرف أن القضية ليست في عدد الكلمات التي يمكن أن تُقال، وإنما في معلومة واحدة يمكن أن تغيّر فهم المشاهد للواقعة. ولذلك فإن تمسكها بالسؤال لم يكن استفزازًا للمحامي، كما قد يحاول البعض تصويره، وإنما كان احترامًا لعقل المشاهد.
والحقيقة أن احترام الجمهور يبدأ من عدم مطالبته بالتصديق الأعمى. الجمهور الذي تابع قصة يوسف، وتعاطف معه، وربما ساهم في الحملة، ليس مجرد متلقٍ عاطفي. هذا الجمهور له عقل، وله حق في السؤال، وله حق في أن يعرف، خصوصًا عندما تصبح الأموال جزءًا من القضية. وهنا يصبح الدفاع عن الشفافية ليس هجومًا على أم يوسف، ولا على محاميها، وإنما دفاعًا عن حق الجمهور.
أما تحويل السؤال إلى معركة، فهو أسوأ ما يمكن أن يحدث في قضية بهذه الحساسية؛ لأن المحامي عندما يدخل الاستوديو، لا يدخل إلى مكان محصّن ضد الأسئلة. هو يدخل إلى مساحة إعلامية، ومن الطبيعي أن يُسأل، وأن يواجه بما يثار حول القضية، وأن يُطلب منه تفسير ما يحتاج إلى تفسير. المحامي ليس متهمًا لأنه سُئل، والإعلامية ليست مخطئة لأنها سألت. لكن الخطأ يبدأ عندما يعتقد أحد الطرفين أن السؤال نفسه جريمة.
وهذا ما يجب أن ننتبه إليه جيدًا. لقد اعتدنا في بعض الحوارات أن نخلط بين قوة الدفاع وكثرة الكلام، بينما الدفاع القوي في الحقيقة لا يحتاج إلى الدوران حول السؤال، بل يستطيع أن يواجهه. فإذا كانت الورقة لا يمكن عرضها، فليُشرح السبب. وإذا كانت هناك إجراءات تمنع تقديمها، فليُذكر ذلك. أما أن يظل السؤال واقفًا في مكانه، بينما الإجابات تتحرك حوله، فهذا لا يغلق باب الجدل، وإنما يفتحه على مصراعيه.
ولذلك فإنني أرى أن علا شوشة تستحق التحية، لأنها لم تسمح بأن تتحول الحلقة إلى مهرجان للروايات المتبادلة. تمسكت بما يهم المشاهد، وأعادت النقاش إلى النقطة التي بدأ منها. وهذه شجاعة مهنية نفتقدها أحيانًا.
فالإعلام الذي يخاف من السؤال يتحول إلى منصة، والإعلام الذي يقدّس الضيف يتحول إلى مجاملة، والإعلام الذي يبحث عن التصفيق يفقد أهم وظيفة له: أن يزعج أصحاب الروايات عندما تكون هناك ثغرة تحتاج إلى تفسير.
ولا يعني ذلك أن علا شوشة تملك الحقيقة كاملة، ولا أن محامي أم يوسف يملك الخطأ كاملًا. الحقيقة لا تُحسم داخل الاستوديو، وإنما بالأدلة والتحقيقات والوثائق والجهات المختصة. لكن الإعلام يستطيع أن يفعل شيئًا مهمًا جدًا: أن يضع السؤال في مكانه الصحيح. وهذا ما حدث.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في قضية إنسانية هو أن يتحول التعاطف إلى حصانة ضد السؤال. فكون القضية تخص طفلًا لا يعني أن الأموال بلا حساب، ولا يعني أن المستندات بلا قيمة، ولا يعني أن كل من يطرح سؤالًا يصبح قاسيًا أو متهمًا بأنه ضد الطفل. على العكس تمامًا، أحيانًا يكون السؤال هو الشكل الأكثر احترامًا للحقيقة، وأحيانًا يكون طلب المستند هو الشكل الأكثر احترامًا للجمهور، وأحيانًا يكون رفض الإجابة هو الذي يمنح السؤال عمرًا أطول.
لذلك لا أرى أن المعركة الحقيقية كانت بين علا شوشة ومحامي أم يوسف. المعركة الحقيقية كانت بين السؤال والمراوغة، بين الوثيقة والرواية، بين حق الجمهور في المعرفة ومحاولة إغراق الحقيقة في التفاصيل. وعلا شوشة، في هذه المواجهة، اختارت أن تقف إلى جوار السؤال. وهذا وحده يستحق الإشادة.
أما محامي أم يوسف، فالدفاع عن موكلته حقه، لكن الدفاع لا يصبح أقوى كلما زادت الكلمات، ولا يصبح أكثر إقناعًا كلما ارتفعت نبرة الصوت. أحيانًا تكون أقوى إجابة في جملة واحدة، وأقوى دفاع في مستند، وأقصر طريق للخروج من الجدل هو تقديم المعلومة التي يدور حولها الجدل.
ولهذا ستظل الورقة حاضرة، حتى لو غابت عن الشاشة؛ لأن السؤال الذي لا يجد إجابة لا يموت بانتهاء الحلقة، بل يبدأ بعدها.
والسؤال هنا واضح: أين المستند الذي يحدد موعد سفر يوسف؟
إن كان موجودًا، فليتحدث. وإن كان هناك مانع من عرضه، فليُشرح. أما أن يبقى السؤال معلقًا، ثم يُطلب من الجمهور ألا يسأل، فهنا تحديدًا تصبح المشكلة أكبر من الورقة نفسها.
تحية لعلا شوشة لأنها سألت.
أما الحقيقة، فلا تزال تنتظر مستندًا يتحدث.