بعد واقعة موظفة التأمينات التي تابعناها جميعا على صفحات التواصل الاجتماعي بعد أن قام أحد الصحفيين الذي تصادف وجوده بالمكتب لإنهاء مصلحة خرجت علينا هيئة التأمينات الاجتماعية بقرار غريب يقضي بمنع أي تصوير داخل مقار الهيئة ومكاتبها واتخاذ الإجراءات القانونية ضد أي عمليات تصوير تتم داخل مقارها دون إذن مسبق وذلك عقب انتشار مقطع الفيديو الذي ذكرناه رغم أن من قام بالتصوير صحفي فعلا وقام بتصوير وتغطية حدث يستحق النشر.
ولذلك وجب النظر للأمر وتوضيحه من جانبه الصحفي بتحليل قانوني متكامل يوضح الحدود القانونية وحقوق الصحفي في التغطية والتصوير بالنصوص القانونية المصرية وهل من حق بعض الهيئات منه التصوير بقرارات داخلية خاصة للصحفي الذي يوثق حدثا ما لنشر وقائع تقصير إداري أو تجاوزات ضد المواطنين وهو ما يرتبط مباشرة بصلب رسالة الصحافة والإعلام في ممارسة دورها الرقابي خدمة للوطن والمواطن..
بداية فالتأصيل الدستوري والقانوني لحرية الصحافة وحق الحصول على المعلومات يكفل ذلك الحق بالنصوص الدستورية والقانونية في مصر فممارسة العمل الصحفي وحق الحصول على المعلومات ونشرها باعتبار الصحافة سلطة شعبية وركناً أساسياً في كشف الخلل وتصويب الأداء العام هو حق قانوني ودستوري.
والمادة (71) من الدستور المصري "تحظر بأي وجه ممارسة الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها..." والمادة (10) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 تقضي بأن "للصحفي أو الإعلامي حق الحصول على المعلومات والإحصاءات والأخبار المباحة قانوناً من مصادرها سواء كانت جهة حكومية أو عامة، كما يكون له حق نشر ما يحصل عليه منها."
والمادة (12) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 تقول : "للصحفي أو الإعلامي في سبيل تأدية عمله حق حضور المؤتمرات واللقاءات والتجمعات العامة وتصوير ما يدور فيها وذلك كله دون إخلال بمقتضيات الأمن القومي..."
وهنا يسأل البعض سؤالا .. ما هو التكييف القانوني لـ "الأماكن العامة" والجهات الحكومية ؟؟ والإجابة واضحة حيث تُصنف المقار الحكومية والخدمية (كمكاتب التأمينات و والمستشفيات الحكومية ومكاتب التموين) قانونياً على أنها «أموال عامة ومرافق تخدم الجمهور» وليست أماكن خاصة يخضع فيها التصوير لإذن الأشخاص.
والأصل القانوني هو حضور الصحفي في صالات خدمة المواطنين ونقل المشهد العام أو رصد مستوى الخدمة المقدمة وهنا يعد التصوير نقلاً لواقع ما في مكان عام متاح للجمهور ولا يعد اعتداءً على حرمة الحياة الخاصة.. فحرمة الحياة الخاصة وردت بكل وضوح في (المادة 309 مكرر من قانون العقوبات) حيث يعاقب القانون على التقاط صور أو تسجيلات في «مكان خاص» دون إذن صاحبه.. أما الهيئات والمصالح الحكومية أثناء ساعات العمل الرسمي واستقبال الجمهور فهي أماكن عامة بطبيعتها الخدمية ولا تنطبق عليها نصوص حماية الخصوصية الشخصية في شقها المتعلق بأداء الموظف العام لوظيفته.
إذن ما هي الضوابط التي تفرق بين "العمل الصحفي" و"التصوير العشوائي"
لتحديد ما يحتاج إلى إذن وما يُعد حقاً مكفولاً.. هنا ينص القانون واللوائح التنظيمية على التمييز بشكل واضح فهناك ما لا يحتاج لإذن مسبق وهو مكفول بحكم المصلحة العامة كرصد حالة الزحام، أداء الخدمة العامة أو التجاوزات التي تمس حقوق المواطنين داخل صالات الخدمة المفتوحة للجمهور.. بشرط عدم تعطيل سير العمل أو التعدي اللفظي أو الجسدي على الموظفين.
أما ما يحتاج إلى تصريح أو إذن تنظيمي فهو يخص المقرات والمناطق المخصصة للأمن القومي أو المنشآت العسكرية والشرطية استناداً لقوانين حماية المنشآت الحيوية.. وكذلك المكاتب الإدارية المغلقة والمستندات السرية دون موافقة مسبقة.. أيضا يمنع التصوير السينمائي أو الإنتاجي التجاري والذي يتطلب معدات ضخمة وتعطيل الحركة العامة داخل أي هيئة عامة ..
وبناء عليه فإن قرارات منع التصوير بآليات إدارية داخلية لا تلغي أحكام الدستور والقانون الأعلى درجة فالموظف العام أثناء ممارسة مهامه الخدمية يمثل جهة عمله ويخضع للرقابة الشعبية والإعلامية.. ودور الصحافة هو تسليط الضوء على السلبيات أو الوقائع المنفردة داخل المؤسسات بما لا يستهدف الإساءة للهيئات الوطنية.. بل يهدف إلى إصلاح المنظومة وتمكين متخذي القرار من تصويب الأخطاء ومحاسبة المقصرين وهو ما يخدم الدولة ويعزز ثقة المواطن في مؤسساته.
إن الأمانة المهنية تقتضي أن يلتزم الصحفي بنقل الحقيقة كاملة ودون اقتطاع ومنح الجهة الرسمية حق الرد والتوضيح المكفول بالمادة (17) من قانون الصحافة.. وإن حرية الصحافة والنشر في الأماكن العامة والخدمية هي أداة الدولة الأولى لضمان الجودة والانضباط الإداري ولا تعارض بين تطبيق القانون وحماية سير العمل وبين حق الصحفي في ممارسة دوره الرقابي الوطني بكل حرية ومسؤولية.