حين يُذكر محو الأمية ينصرف الذهن غالبًا إلى تعليم القراءة والكتابة، وهو مقصد عظيم لا يُستهان به؛ فبالحرف تُفتح أبواب العلم، وتتسع مدارك الإنسان، ويستطيع أن يعرف حقوقه ويشارك في بناء مجتمعه. غير أن واقعنا يكشف عن نوع آخر من الأمية أشد خطرًا وأبعد أثرًا، قد يجتمع مع الشهادات العليا، ويسكن خلف القدرة على القراءة والكتابة؛ إنها الأمية الفكرية والثقافية والأخلاقية.
وليست الأمية بمعنى عدم تعلم القراءة والكتابة دليلًا بذاتها على نقص العقل أو فساد الخلق؛ فقد بعث الله نبينا محمدًا ﷺ أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك علّمه ربه ما لم يكن يعلم، فكان أكمل الناس عقلًا، وأعظمهم علمًا وخلقًا ورحمة، وكانت أميته آية على أن القرآن وحي من عند الله، لا أثرًا من آثار قراءة كتب السابقين أو نقل علومهم، قال تعالى:﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48].
ومن هنا، فإن القضية التي ينبغي أن تشغلنا لا تقف عند سؤال: كم شخصًا في المجتمع لا يعرف القراءة والكتابة؟ بل تمتد إلى سؤال أخطر: كم شخصًا يقرأ ولا يفهم، ويتعلم ولا يعي، ويحمل شهادة ولا يعرف واجباته تجاه نفسه وأسرته ووطنه؟
إننا أمام أمية حقيقية حين يعتدي الابن على أبيه، أو يتنكر الأب لأبنائه، أو يقتل أحد الزوجين الآخر بعد أن تحولت الأسرة من موطن للمودة والرحمة إلى ساحة للصراع والانتقام. وأمام أمية حين يسيء الجار إلى جاره، وتُهضم الحقوق، وتُقطع الأرحام، ويصبح الظلم مهارةً، والتحايل ذكاءً، وأكل أموال الناس شطارةً اجتماعية.
وما أشد الأمية حين نجد أبًا صحيح البدن، كامل القوى العقلية، يجلس في بيته مختارًا، بينما تخرج زوجته أو أطفاله يسعون لتوفير لقمة العيش! فالأمية هنا ليست عجزًا عن قراءة الكلمات، وإنما جهل بمعنى المسؤولية، وغفلة عن واجب النفقة والرعاية، وانهيار في مفهوم القوامة التي جعلها الشرع تكليفًا وبذلًا وحماية، لا تسلطًا وامتيازًا.
وتظهر الأمية الأسرية كذلك حين يُقبل الرجل والمرأة على الزواج دون أدنى معرفة بحقوق كل منهما وواجباته، وكأن الزواج مناسبة اجتماعية تنتهي بانتهاء الاحتفال، لا ميثاقًا غليظًا يحتاج إلى علم ونضج واستعداد. قد يتزوج الرجل ولا يعرف متى يجوز له أن ينطق بالطلاق، ولا يدرك أن الكلمة قد تهدم بيتًا وتشتت أطفالًا، وقد تطلب المرأة الطلاق أو الخلع دون وعي بالفروق بينهما وآثارهما وحقوقها المترتبة على كل منهما. ثم نفاجأ بسيل من المنازعات الأسرية، وارتفاع معدلات الطلاق، وأطفال يدفعون ثمن جهل لم يصنعوه، وقد يقود التفكك والإهمال بعضهم إلى الشارع أو الانحراف.
إن من أخطر صور الأمية أن يعرف الإنسان كيف يُنشئ حسابًا على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يعرف كيف يصون وطنه. يكتب وينشر ويشارك، لكنه لا يميز بين النقد الذي يبني والتشهير الذي يهدم، ولا بين المطالبة بالإصلاح وبين ترويج الشائعات والنيل من مؤسسات الوطن ومقدراته. وربما أعان خصوم بلده على إضعاف بنيته المعنوية وهو يظن أنه يمارس حرية التعبير، لأنه لم يتعلم قيمة الوطن، ولا مسؤولية الكلمة، ولا أن تراب الوطن ليس مجرد أرض، بل تاريخ وهوية وأمن وذاكرة ومستقبل أجيال.
والأمية الفكرية هي أن يملك الإنسان قدرًا هائلًا من المعلومات ولا يحسن التمييز بين صحيحها وزائفها؛ فيصدق كل ما يسمع، وينشر كل ما يقرأ، ويجعل عدد المتابعين دليلًا على العلم، والصوت المرتفع برهانًا على الحق. وهي أن يفقد العقل قدرته على السؤال والتحقق والموازنة، فيتحول صاحبه إلى أداة تردد ما يُلقى إليها دون فهم أو نقد.
أما الأمية الثقافية فهي أن يعيش الإنسان في مجتمعه دون أن يعرف منظومة القيم التي تحفظ تماسكه، ولا آداب الاختلاف، ولا حرمة الحياة الخاصة، ولا حقوق المرأة والطفل وكبير السن وذوي الهمم، ولا واجبه تجاه المال العام والبيئة والطريق. وقد يكون قارئًا وكاتبًا، لكنه لا يعرف كيف يحترم طابورًا، أو يحافظ على مرفق، أو يختلف دون إساءة، أو يطالب بحقه دون أن يعتدي على حقوق الآخرين.
وهناك أمية الأولويات؛ حين ينشغل الإنسان بصغائر الأمور ويغفل عن القضايا الكبرى، أو يبذل ماله ووقته فيما لا ينفع بينما يضيع أهله وأبناؤه، أو يطالب بحقوقه كلها وينسى واجباته جميعًا. فالمجتمع لا يُبنى بثقافة المطالبة وحدها، وإنما بالتوازن بين الحق والواجب، وبين الحرية والمسؤولية، وبين المصلحة الفردية والمصلحة العامة.
إن محو هذه الأمية لا يتحقق بفتح فصول تعليم القراءة والكتابة وحدها، على ضرورتها، بل يحتاج إلى مشروع وعي شامل تشارك فيه الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة ووسائل الإعلام ومؤسسات الثقافة. نحتاج إلى تعليم أبنائنا كيف يفكرون، لا ماذا يحفظون فقط؛ وكيف يتحققون من الخبر قبل نشره، وكيف يحترمون الاختلاف، ويعرفون حقوقهم وواجباتهم، ويستعدون للزواج وتربية الأبناء، ويدركون قيمة العمل، وحرمة الدم، وقدسية الأسرة، ومسؤولية الكلمة، ومكانة الوطن.
ونحتاج أيضًا إلى أن تنتقل الثقافة من قاعات النخبة إلى حياة الناس؛ فتُقدَّم المعرفة القانونية والأسرية والدينية والوطنية بلغة واضحة، وتصبح برامج التأهيل للزواج، والتربية الوالدية، والوعي الرقمي، ومواجهة الشائعات جزءًا من مشروع محو الأمية، لا أعمالًا هامشية تُترك للمبادرات الفردية.
إن الإنسان المتعلم حقًّا ليس من يستطيع أن يقرأ كتابًا فحسب، بل من يستطيع أن يقرأ عواقب أفعاله؛ وليس من يجيد كتابة الكلمات فقط، بل من يعرف متى تكون الكلمة دواءً ومتى تصبح سلاحًا؛ وليس من يحمل شهادة، بل من يحمل وعيًا يجعله رحمة لأسرته، وأمانًا لجاره، وعونًا لمجتمعه، وبناءً في وطنه.
وفي اليوم العالمي لمحو الأمية، ينبغي أن نوسع مفهومنا للأمية، فلا يكون هدفنا أن نجعل كل إنسان قادرًا على قراءة السطور فحسب، وإنما أن نعينه كذلك على قراءة الحياة، وفهم الحقوق والواجبات، وترتيب الأولويات، وصناعة القرار المسؤول. فمحو أمية الحرف بداية الطريق، أما غايته فهي بناء إنسان واعٍ، رشيد الفكر، مستقيم السلوك، يعرف حق ربه، وحق نفسه، وحق أسرته، وحق مجتمعه ووطنه.