عاجل

منذ سنوات، لم يكن أحد يتخيل أن كلمة صغيرة من عدة حروف وأرقام ورموز ستصبح جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية. كلمة السر تحمي الهاتف، والبريد الإلكتروني، والحساب البنكي، وصفحات التواصل الاجتماعي، لكنها في السنوات الأخيرة تجاوزت عالم التكنولوجيا، وانتقلت بشكل ساخر إلى حياتنا الاجتماعية أيضًا.

فقد أصبح لكل شخص تقريبًا «كلمة سر» خاصة به، لا تفتح حسابه الإلكتروني، وإنما تفتح أبواب شخصيته ومشاعره.

في الماضي، كانت العلاقات الاجتماعية تُبنى بالتدريج، من خلال الجلوس والحديث والمواقف والمشاركة. أما الآن، فأصبح التعارف يشبه إلى حد كبير إنشاء حساب جديد: طلب صداقة، ثم متابعة، ثم مراقبة متبادلة، ثم اختبار للنوايا، وبعدها فقط يحصل الطرف الآخر على صلاحية محدودة للدخول إلى حياتنا.

وحتى بعد الحصول على هذه الصلاحية، تظل هناك مناطق محظورة.

هناك موضوعات لا يجوز السؤال عنها، وأوقات لا يجوز الاتصال فيها، ومشاعر لا يُسمح بالاقتراب منها، وأسرار تحتاج إلى سنوات حتى تحصل على تصريح بالدخول إليها.

والأكثر طرافة أن «كلمة السر الاجتماعية» يمكن تغييرها في أي وقت، دون سابق إنذار.

قد تكون بالأمس أقرب الأشخاص إلى أحدهم، ثم تستيقظ اليوم لتكتشف أنك فقدت صلاحية الدخول إلى حياته. لا رسالة توضح السبب، ولا إشعار يخبرك بالتغيير، فقط تشعر أن التعامل أصبح مختلفًا.

وإذا حاولت الاستفسار، تأتيك الإجابة الشهيرة:مفيش حاجة.

وهذه الجملة تحديدًا ربما تكون أكثر كلمات السر استخدامًا في العلاقات الإنسانية.

ثم تمضي الأيام، وتكتشف أن هناك «حاجة» بالفعل، لكنها كانت محمية بكلمة سر لا تعرفها.

الأمر لا يقتصر على العلاقات العاطفية، فالصداقة أيضًا أصبحت تعمل بنظام الصلاحيات.

هناك صديق تستطيع الاتصال به في أي وقت، وهناك آخر لا تعرف هل من حقك أن تسأله عن أحواله أم أن السؤال قد يعتبر تدخلاً في الخصوصية.

هناك من تحكي له تفاصيل يومك، ومن يعرف عنك كل شيء تقريبًا، وهناك شخص تعرفه منذ سنوات، لكنك لا تزال تعرف عنه المعلومات التي تصلح لأن تُكتب في بطاقة التعارف فقط.

والمفارقة أن عدد سنوات المعرفة لم يعد بالضرورة معيارًا للقرب.

قد تعرف شخصًا لعشر سنوات دون أن تعرف ما الذي يؤلمه، بينما تلتقي بشخص آخر منذ أسابيع قليلة وتشعر أنك تستطيع أن تتحدث أمامه دون حساب.

وكأن العلاقات الإنسانية أصبحت تقاس بعدد محاولات «تسجيل الدخول» الناجحة.حتى الخلافات أصبحت أكثر سرعة.

بدل أن نجلس ونتحدث ونحاول فهم بعضنا البعض، أصبح الحل الأسهل هو «الحظر»، أو تجاهل الرسائل، أو إلغاء المتابعة، وكأن الإنسان تحول إلى تطبيق يمكن حذفه بضغطة زر.

والأخطر من ذلك أننا بدأنا نستخدم كلمات قصيرة لإخفاء مشاعر كبيرة.تمام-براحتك-ولا يهمك -أنا كويس

كلمات تبدو عادية، لكنها في كثير من الأحيان تحمل رسائل أخرى لا تُقال صراحة.

قد يقول الإنسان «تمام» وهو في قمة الغضب، ويقول «براحتك» وهو يتمنى أن يتراجع الطرف الآخر، ويقول «أنا كويس» لأنه لا يريد أن يسمح لأحد بالدخول إلى المنطقة التي تؤلمه.

وهنا تبدو المفارقة واضحة: كلما تطورت وسائل الاتصال، أصبحنا أكثر قدرة على التواصل، لكن ليس بالضرورة أكثر قدرة على التعبير.

نرسل عشرات الرسائل في اليوم، لكننا قد نعجز عن قول جملة واحدة صادقة لشخص قريب:أنا محتاج أتكلم معاك.»

ربما لم تصبح الحياة أكثر قسوة، وربما لم يصبح الناس أقل اهتمامًا، لكننا بالتأكيد أصبحنا أكثر خوفًا من منح الآخرين صلاحية الدخول إلى حياتنا.

الخوف من الخذلان جعلنا نضع كلمات سر معقدة حول مشاعرنا، ونغيرها باستمرار، ونمنح الآخرين صلاحيات مؤقتة، ونحتفظ دائمًا بخطة للخروج.

وهذا الحذر قد يحمينا أحيانًا، لكنه قد يحرمنا أيضًا من أجمل ما في العلاقات: الشعور بالأمان.

فليس المطلوب أن نفتح أبوابنا للجميع، ولا أن نمنح ثقتنا بلا حساب، لكن ربما نحتاج إلى أن نترك نافذة صغيرة مفتوحة لمن أثبت بالأفعال أنه يستحق الدخول.

ففي عالم أصبحت فيه كلمات السر تحمي كل شيء تقريبًا، ربما تكون مشكلتنا الحقيقية أننا نسينا كلمة السر الأهم في العلاقات الإنسانية: الثقة.
تلك الكلمة التي لا تحتاج إلى أرقام أو رموز أو حروف كبيرة، لكنها تحتاج إلى شيء أصعب بكثير وهى الصدق.

تم نسخ الرابط