الأوقاف: موضوع خطبة الجمعة القادمة "سيدنا محمد الأسوة الحسنة"
أعلنت وزارة الأوقاف، اليوم الأحد، عن موضوع خطبة الجمعة القادمة، تحت عنوان «سيدنا محمد ﷺ الأسوة الحسنة»، وذلك في الإصدار السبعين من سلسلة «زاد الأئمة والخطباء»، التي تهدف إلى بيان أن الاقتداء بالنبي ﷺ منهج حياة يتخذ من هديه الشريف في العبادة والأخلاق والمعاملات الأسرية والمجتمعية نموذجاً يحتذى.
وتأتي هذه الخطبة في إطار احتفاء الوزارة بشهر ربيع الأول شهر مولد النبي الكريم، وتأكيداً على أن سيدنا رسول الله ﷺ هو الكامل في خصاله وخلاله ومحامده، وهو الذي أنعم الله عليه بأن بوأه المحل الأسمى، فهو أسوة لكل متأس وقدوة لكل مقتد، وقد اختصر القرآن الكريم طريق الاقتداء كله في قوله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَة﴾ [الأحزاب: 21].
الأسوة الحسنة في القرآن
تستند الخطبة في محورها الأول إلى مفهوم الأسوة الحسنة في القرآن الكريم، حيث رفع القرآن منزلة النبي ﷺ إلى كونه النموذج العملي الذي تتجسد فيه تعاليم الإسلام، ويقول الإمام ابن كثير في تفسير الآية: "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله".
وتشير الخطبة إلى أن العلماء وجهوا المسلمين إلى التعرف على سيدنا رسول الله من خلال السيرة النبوية، ليحصل لهم تمام الاقتداء، كما يقول الدكتور البوطي: "أن يجِد الإنسان بين يديه صورة للمثل الأعلى في كل شأن من شؤون الحياة الفاضلة، كي يجعل منها دستوراً يتمسك به ويسير عليه".
النبي ﷺ قدوة في العبادة والأخلاق
وتستعرض الخطبة صوراً من هدي النبي ﷺ في عبادته وصلته بربه، حيث كان أكمل الناس عبودية لله، وأشدهم خشوعاً، وأصدقهم إقبالاً عليه، مع التوازن بين حق الله وحقوق النفس والأهل والمجتمع، مؤكدة أن العبادة الحقة لا تعني الانسحاب من الحياة، وإنما أن يعيش الإنسان حياته كلها لله، في عبادته وعمله وأسرته ومعاملاته.
كما تتناول الخطبة أخلاق النبي ﷺ ومعاملاته، حيث كان الصورة العملية للإسلام حين يتحول من مبادئ تُتلى إلى سلوك يُرى، وقد شهد له ربه بهذا الكمال فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، وقالت عائشة رضي الله عنها: "كان خلقه القرآن".
النبي ﷺ قدوة في الأسرة والمجتمع
وتسلط الخطبة الضوء على هدي النبي ﷺ في الأسرة وبناء البيت الصالح، حيث كان بيته مدرسة متكاملة في الرحمة والمودة وحسن العشرة، فقد قال ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، وكان يراعي مشاعر زوجاته ويلاطفهن، ويساعد في شؤون المنزل، ويرحم الصغار ويحترم المرأة.
وتتناول الخطبة أيضاً هدي النبي في التعامل مع الناس، حيث كان أرحب صدراً وألين جانباً وأحسنهم عشرة، يلقى الناس بالبشاشة، ويمنح كل إنسان من عنايته ما يشعره بمكانته، وكان قريباً من الضعفاء والمحتاجين، وإذا أخطأ أحد لم يجعل من خطئه مناسبة للتشهير به، وإنما كان يعالج الخطأ بحكمة ورحمة.
النبي ﷺ قدوة في القيادة ومواجهة الأزمات
وتشير الخطبة إلى أن النبي ﷺ كان نموذجاً فريداً في القيادة الراشدة، فلم تكن القيادة عنده تشريفاً أو استعلاءً، وإنما كانت أمانة ومسؤولية وخدمة للناس، يقودهم بالعدل ويرعى مصالحهم ويجمع بين قوة الحق ورحمة القلب، وكان يشاور أصحابه، ويجمع بين الحزم حين تقتضي المصلحة والرحمة حين يكون الرفق أصلح.
وفي مواجهة الأزمات، كان النبي ﷺ نموذجاً راسخاً للصبر والثبات وحسن التوكل، فلم تكن شدة المحن لتزعزع يقينه، بل كلما اشتد البلاء ازداد ثباتاً، وكلما ضاقت السبل اتسع في قلبه باب الرجاء، ويقدم لنا منهجاً متكاملاً في مواجهة الأزمات: ثبات عند الشدة، وتخطيط عند التعقيد، وأخذ بالأسباب مع صدق التوكل، وتفاؤل بالمستقبل مهما اشتد ظلام الحاضر.
من محبة النبي إلى الاقتداء به
وتؤكد الخطبة أن محبة النبي ﷺ الصادقة تقتضي الاتباع والاقتداء، وتدفع صاحبها إلى أن يجعل هدي النبي ميزاناً لأقواله وأعماله ومواقفه، وقد جعل القرآن الكريم الاتباع برهاناً على صدق المحبة، فقال سبحانه: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِی یُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
الاقتداء بالنبي في واقعنا المعاصر
وتدعو الخطبة إلى تحويل الهدي النبوي إلى سلوك حيّ يواكب تفاصيل الحياة المعاصرة، فالرحمة النبوية ينبغي أن تظهر في طريقة حديثنا وتعاملنا، وفي مراعاتنا لمشاعر الآخرين، وفي إغاثة المحتاج والعفو عن المسيء والرفق بالمخطئ، ومن هديه ﷺ أن نجعل بيوتنا موطناً للمودة والرحمة، وأعمالنا ميداناً للأمانة والإتقان، وطرقاتنا ومجالسنا فضاءً لاحترام الآخرين.
كما تقدم الخطبة نموذجاً راقياً في إدارة الاختلاف والحوار، حيث لم يكن اختلاف الرأي عنده مبرراً لإهدار الكرامة أو إشعال الخصومة، بل كان يستمع ويبين ويعالج الخطأ بالحكمة، وفي عصر التقنية والذكاء الاصطناعي تتأكد الحاجة إلى هذه القيم أكثر، فالتقدم التقني لا يعفي الإنسان من المسؤولية الأخلاقية، بل يزيدها، بحيث نتثبت قبل نشر الأخبار، ونحفظ الخصوصية، ولا نستخدم التقنية في الغش أو التشهير أو التضليل أو انتهاك حقوق الآخرين.
واختتمت الخطبة بالدعاء إلى الله أن يجعلنا من المقتدين بهديه ﷺ، وأن يرزقنا اتباع سنته، والتخلق بأخلاقه، والسير على منهاجه، وأن يمن علينا بحسن الاقتداء والثبات على طريق الهدى.



