عاجل

في قرية كفر شاويش التابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية، تحول بحر فاقوس وهو الشريان المائي الرئيسي بالمنطقة من مصدر للري والخير إلى كابوس يومي يؤرق أهالي القرية. فقد تسربت المياه وحاصرت أساسات المنازل وذبلت المزارع قبل أوان قطف الثمار، لتصبح القرية مسرحا لمعاناة إنسانية صامتة تستصرخ المسؤولين.
و​لا تبرز أزمة كفر شاويش من فراغ، بل هي حصيلة عقود طويلة  من الإهمال وتراجع البنية التحتية لشبكات الري والصرف. ويعاني بحر فاقوس في قطاعه المار بالقرية وتوابعها من تلف وتآكل في الجسور الأرضية  الطينية. وكذلك غياب أعمال التطهير  المنظم التي تحول دون تسرب المياه الجوفية والسطحية إلى الأراضي المجاورة المنخفضة.
​ومع غياب الصيانة الدورية ترتفع مناسيب المياه داخل المجرى المائي في أوقات الذروة، لتبدأ الجسور المتهالكة في الرشح والتسرب، متسللة تدريجيا عبر التربة الرخوة لتصل إلى مساكن المواطنين وتغمر حقولهم الزراعية. هذا التسرب لا يقتصر خطره على الخسائر المادية المباشرة، بل يمتد ليهدد البنية التحتية للمنازل التي أُنشئت في الأصل بجهود ذاتية وبإمكانيات بسيطة لا تقاوم الرطوبة المستمرة.
​إذا زرت كفر شاويش اليوم، فلن تقتصر مشاهد البؤس على الأراضي المحيطة، بل ستطالعك عيون المنازل المتشققة وجدرانها التي تتشرب المياه وكأنها إسفنجة عملاقة. إن الرطوبة العالية وارتفاع منسوب المياه الأرضية الناتجة عن التسرب أدى إلى ​تآكل الأساسات الخرسانية. وبدأ حديد التسليح في القواعد والأعمدة تتعرض للصدأ والتآكل نتيجة التشبع المستمر بالمياه المالحة أو المختلطة بالمخلفات، مما يهدد بانهيار مفاجئ لعدد من المنازل. وتجمعات المياه الراكدة حول المنازل إلى بؤر لتكاثر الحشرات والبعوض، مما تسبب في انتشار أمراض الجهاز التنفسي والحساسية بين الأطفال والمسنين، فضلا عن الروائح الكريهة التي تنبعث طوال اليوم.
و​التصدعات والشروخ تظهر بوضوح في جدران الغرف والأسقف، مما يجعل مئات الأسر تعيش في رعب دائم من كارثة وشيكة قد تقع في أي لحظة.
​وتقف الأراضي الزراعية في كفر شاويش موقف الضحية أمام آفة الغرق. وتعتمد اقتصاديات العائلات هنا بشكل رئيسي على الزراعات التقليدية والموسمية، غير أن تسرب مياه البحر أدى إلى كارثة زراعية حقيقية تمثلت في
​غرق المحاصيل الاستراتيجية. وتضررت مساحات شاسعة من زراعات القمح والخضروات بفعل الغمر المتكرر الذي أدى إلى تعفن الجذور واصفرار الأوراق قبل نضجها. وتشبع الأرض بكميات هائلة من المياه الراكدة لفترات طويلة تسبب في تشبع الطبقات السطحية بالملوحة، مما يفقد التربة خصوبتها ويجعلها عاجزة عن الإنتاج مستقبلا إلا بعد جهود جبارة ومكلفة لاستصلاحها من جديد. ويجد المزارع البسيط نفسه عاجزا عن تسديد ديونه وقروض التقاوي والأسمدة، بعد أن تلف محصوله وضاع مصدر دخله الوحيد، مما يدفع الكثيرين إلى ترك الأرض وزراعتها وتحولهم إلى عاطلين عن العمل. ​ورغم كثرة الشكاوى والطلبات التي تقدم بها أهالي كفر شاويش إلى الجهات التنفيذية بمركز ومدينة فاقوس ومديرية الري بالشرقية، إلا أن الاستجابات ظلت في أغلبها مسكنات مؤقتة لا ترقى لحجم الكارثة. ​إن التعامل مع أزمة بحر فاقوس وكفر شاويش يتطلب استراتيجية عاجلة وشاملة تتضمن ​التبطين والتكسير الهندسي الفوري وإدراج جسور بحر فاقوس المار بالقرية ضمن خطة الدولة القومية لتبطين وتأهيل الترع، مع إنشاء حوائط خرسانية مانعة للتسرب في القطاعات الأكثر خطورة.
​ولابد من  الدفع بمعدات مجالس المدن وشركات المياه لشفط التجمعات المائية المستنقعية حول المنازل لتقليل حجم الضرر على الأساسات. ومن المهم  تشكيل لجان فنية لمعاينة المساكن المتضررة بصفة عاجلة، وتحديد مدى احتياجها للتدعيم أو التعويض ضمن المبادرات القومية لتطوير الريف، حفاظا على أرواح المواطنين الأبرياء.
​إن أهالي كفر شاويش لا يطلبون المستحيل، بل يطالبون بحقهم الأساسي في الحياة الكريمة والآمنة، بعيدا عن خطر الغرق الذي يهدد بيوتهم ويقضي على مصدر رزقهم. إن التدخل السريع من قبل محافظة الشرقية ووزارة الموارد المائية والري أصبح ضرورة حتمية لا تحتمل التأجيل، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، وتحويل هذا الكابوس المستمر إلى صفحة جديدة من التنمية والاستقرار لأبناء فاقوس.

تم نسخ الرابط