عاجل

ليست كل الكلمات التي تُقال في المناسبات كلمات عابرة، فهناك كلمات تنتهي بانتهاء المناسبة، وهناك كلمات تترك وراءها رسائل عمل ومسؤولية ومحاسبة.

وفي تقديري، فإن كلمة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، خلال الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، تنتمي بوضوح إلى النوع الثاني؛ فقد بدأت من مناسبة دينية جليلة، لكنها سرعان ما اتسعت لتصبح حديثًا عن الإنسان والدولة والوطن، وعن الأمن والاقتصاد والخدمات وحقوق المواطنين والوعي وسيادة القانون.

لقد كانت كلمة الرئيس، في جوهرها، رسالة مزدوجة: طمأنة للمواطن على وطنه، ورسالة مسؤولية إلى الحكومة وأجهزة الدولة.

طمأنة بأن أمن مصر القومي في أيدٍ يقظة، وأن القوات المسلحة المصرية في أعلى درجات الجاهزية، ورسالة بأن حماية المواطن لا تتوقف عند حماية الحدود، وإنما تمتد إلى حماية أمواله وحقوقه وكرامته وسلامته اليومية.

ومن هنا يمكن قراءة الكلمة باعتبارها كشف حساب مفتوحًا أمام الشعب، وخريطة أولويات للمرحلة المقبلة.

كان لافتًا أن الرئيس لم يتعامل مع ذكرى مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم باعتبارها مجرد مناسبة للاحتفاء، وإنما استحضر القيم التي جاء بها النبي الكريم، وفي مقدمتها الصدق والأمانة والرحمة وإكرام الإنسان وحسن الخلق وإتقان العمل.

وهنا تكمن الرسالة العميقة؛ فالأخلاق ليست ملفًا منفصلًا عن الدولة، كما أن الدين ليس مجرد شعائر تؤدى ثم تنتهي آثارها.

فإذا كان الصدق قيمة، فيجب أن يظهر في تعامل الموظف مع المواطن، وإذا كانت الأمانة قيمة، فيجب أن تظهر في إدارة المال العام، وإذا كانت الرحمة قيمة، فيجب أن تظهر في التعامل مع أصحاب الحاجات، وإذا كان إتقان العمل قيمة، فيجب أن يظهر في المدرسة والمستشفى والطريق والمصلحة الحكومية والمصنع والشركة.

وبذلك تتحول ذكرى المولد النبوي من مناسبة للاحتفال إلى مشروع لبناء الإنسان.

وفي ملف الأمن القومي، جاءت رسائل الرئيس واضحة ومباشرة، مؤكدًا يقظة أجهزة الدولة، وأن القوات المسلحة المصرية في أتم الجاهزية والاستعداد للدفاع باقتدار عن مصر ومقدراتها ضد أي تهديد خارجي.

وهذه الرسالة تأتي في توقيت يشهد فيه العالم اضطرابات سياسية وأمنية واقتصادية متلاحقة، لكن الأهم أن مفهوم الأمن في كلمة الرئيس لم يكن مفهومًا عسكريًا فقط؛ فالأمن الحقيقي هو أن يكون الوطن آمنًا، والمواطن مطمئنًا، والمؤسسات تعمل، والاقتصاد يتحرك، والخدمات تصل إلى مستحقيها، والقانون يطبق على الجميع.

ومن أهم ما حملته كلمة الرئيس توجيهه الحكومة بإعداد تقرير كامل عن الإنجازات الفعلية في مختلف قطاعات الدولة خلال السنوات الماضية، وعرضه على المواطنين خلال شهر أكتوبر المقبل.

وأرى أن هذا التوجيه يمثل نقطة شديدة الأهمية في علاقة الدولة بالمواطن؛ فالمواطن لا يريد أن يسمع فقط عن حجم الإنفاق، وإنما يريد أن يعرف ماذا تحقق بهذا الإنفاق، وما المشروعات التي اكتملت، وما الذي دخل الخدمة، وما النتائج التي تحققت، وما العائد الذي عاد على المواطن، وما الملفات التي لا تزال تحتاج إلى تدخل.

هذه هي قيمة كشف الحساب؛ فالمشروعات لا ينبغي أن تقاس فقط بتكلفتها، وإنما بنتائجها، والإنجاز لا يقاس بعدد البيانات، وإنما بما يلمسه المواطن على أرض الواقع.

ولم يتوقف الأمر عند إعداد التقرير، وإنما وجه الرئيس بإتاحة فرصة موسعة للحوار حول ما تم تنفيذه، بمشاركة الحكومة والمثقفين والمفكرين والمتخصصين وأساتذة الجامعات، على مدار أسبوع أو عشرة أيام، مع إتاحة الفرصة للمواطنين المهتمين لمتابعة أعماله.

وهذا في تقديري مسار مهم لبناء الوعي؛ فالمواطن عندما يحصل على المعلومات الصحيحة يصبح أكثر قدرة على تقييم ما تم إنجازه، وأكثر قدرة على فهم التحديات.

والشائعة لا تواجه فقط بالرد عليها، وإنما بتوفير المعلومات التي تمنع انتشارها من الأساس، ولهذا فإن الشفافية ليست عبئًا على الدولة، وإنما أداة من أدوات حماية الدولة.

وأكد الرئيس أن الشعب المصري كان له دور أساسي في مواصلة مسيرة الإصلاح، وأن ما وصلت إليه الدولة من حالة توازن وسط عالم مضطرب لم يكن ليحدث لولا توفيق الله وإرادة الشعب المصري.

وهذه الرسالة مهمة؛ لأن الإصلاح لا تقوم به الحكومة وحدها.

المواطن شريك، والعامل شريك، ورجل الأعمال شريك، والإعلام شريك، والمؤسسات شريك.

لكن الشراكة تعني أيضًا أن يرى المواطن أثر الإصلاح في حياته، وأن يجد مقابل ما تحمله من أعباء وتحديات.

وفي الملف الاقتصادي، تناول الرئيس حجم المديونية الداخلية والخارجية، وربط ذلك بحجم الدعم الذي قدمته الدولة خلال الخمسين عامًا الماضية.

وهذا الملف لا يحتمل القراءة السطحية، فالاقتصاد المصري نتيجة تراكمات وسياسات وظروف امتدت لعقود، فضلًا عن تأثير الأزمات العالمية والإقليمية.

ولذلك فإن المواطن يحتاج إلى رؤية الصورة كاملة، وليس رقمًا منفردًا.
وهنا تظهر مرة أخرى أهمية كشف الحساب، لأن عرض الأرقام والإنفاق والديون والاستثمارات والدعم والنتائج في صورة واحدة يساعد على تكوين رؤية أكثر موضوعية.

وإذا كان هناك ملف يلمس المواطن بصورة مباشرة، فهو ملف حقوق المواطنين في المشروعات العقارية.

وقد وجه الرئيس بضرورة المتابعة المستمرة والدقيقة لاحترام العقود المبرمة مع المواطنين، وعدم التأخير في تسليم الوحدات، وإنشاء البنية الأساسية والمرافق المرتبطة بها، كما وجه بمراجعة أوضاع المطورين العقاريين لضمان الوفاء بالتزاماتهم.

والرسالة هنا شديدة الوضوح: من يحصل على أموال المواطن عليه أن يحترم تعاقده معه.

فالعقد ليس ورقة شكلية، وإنما التزام قانوني وأخلاقي، ومن التزم بالعقد فله الاحترام والتقدير، ومن أخل به بعد حصوله على أموال المواطنين، فعليه أن يتحمل مسؤولية إخلاله.

ولهذا فإن حقوق المواطنين وأموالهم يجب أن تظل خطًا أحمر، كما امتدت التوجيهات إلى احترام الشواطئ، بما يؤكد أهمية الحفاظ على الحقوق والموارد العامة.

وفي ملف الكهرباء، جاء توجيه الرئيس وزير الكهرباء والطاقة المتجددة بالإشراف المباشر والدقيق على الفواتير، وتجنب التقدير الجزافي، والعمل على تسهيل سداد المتأخرات المستحقة على المواطنين، بما في ذلك بحث سبل تيسير السداد.

وهذه رسالة واضحة إلى المواطن وإلى أجهزة الدولة في الوقت نفسه: الدولة لها حقها، والمواطن عليه التزامه، ولكن العدالة تقتضي أن تكون الفاتورة معبرة عن الاستهلاك الحقيقي.

وفي الوقت نفسه يجب ألا تتحول المتأخرات إلى عبء يستحيل على المواطن تحمله، ولذلك جاءت فكرة التيسير في السداد كحل عملي يراعي حقوق الطرفين.

وفي ملف الأسواق، جدد الرئيس توجيهاته بضبط الأسواق، والمتابعة الميدانية، والتوسع في المبادرات ومنافذ البيع الحكومية، وكان توجيهه بإنشاء منفذ حكومي واحد على الأقل في كل مركز من مراكز الجمهورية لتوفير السلع الأساسية بأسعار تتناسب مع القدرات الشرائية لمختلف فئات الشعب، رسالة مهمة في هذا الملف.

لكن المواطن في النهاية لا يقيس نجاح السياسة بعدد المنافذ التي تم الإعلان عنها، وإنما يقيسها بما يراه أمامه: هل السلعة متوافرة؟ هل السعر عادل؟ هل الاحتكار والمغالاة تحت السيطرة؟ هل هناك رقابة حقيقية؟ هذه هي الأسئلة التي تنتظر إجابات عملية.

وفي النقل، وجه الرئيس بسرعة الانتهاء من مشروعات النقل الجماعي في الأطر الزمنية المحددة، وتحسين الطرق ووضع الإرشادات بصورة مستمرة، كما وجه وزير الداخلية بحملات مرورية متواصلة في مختلف أنحاء الجمهورية، لضبط المخالفات وتحقيق الانضباط وسرعة اتخاذ الإجراءات القانونية.

وهذه ليست قضية مرورية فقط، وإنما قضية أرواح.

فكل طريق آمن، وكل مخالفة يتم منعها، وكل مركبة غير صالحة يتم ضبطها، وكل سائق متهور تتم محاسبته، يعني في النهاية حماية إنسان وأسرة ومجتمع.

وفي ملف المحليات، وجه الرئيس وزارة التنمية المحلية والمحافظين بالمتابعة الميدانية، وفتح قنوات مباشرة مع المواطنين، وتلقي الشكاوى والاستفسارات، وشرح الحقائق وتسهيل الخدمات والعمل على حل المشكلات.

وأرى أن هذه من أهم القواعد التي يجب أن تحكم الإدارة المحلية، فالمواطن لا يعيش داخل التقارير، وإنما يعيش في الشارع، ويواجه مشكلة في المواصلات أو النظافة أو الرصف أو الإشغالات أو الخدمات.

ولهذا فإن المسؤول الذي ينزل إلى الشارع ويستمع إلى المواطن يرى ما قد لا يظهر في الأوراق، والمتابعة الميدانية ليست رفاهية، وإنما شرط للنجاح.

ثم جاءت الرسالة الأكثر حسمًا في كلمة الرئيس، عندما أكد ضرورة إنفاذ سيادة القانون بمنتهى الحسم، وقال: «فلا موضع بيننا لفاسد، ولا مجاملة لمن يتلاعب بحقوق الشعب، أو يعبث بمقدرات هذا الوطن العظيم».

هذه العبارة يجب ألا تمر مرور الكرام، فهي تعني أن المرحلة المقبلة لا تحتمل الفساد ولا المجاملة.

من أخطأ يحاسب، ومن أفسد يحاسب، ومن اعتدى على حقوق المواطنين يحاسب، ومن عبث بمقدرات الدولة يحاسب، ولا فرق في ذلك بين موقع وآخر.

فالقانون لا يعرف المجاملة، والوظيفة العامة ليست حصانة، وإنما مسؤولية وأمانة.

وبعد كل هذه التوجيهات، يبقى السؤال الأهم: ماذا سيحدث على الأرض؟

هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

المواطن يريد أن يرى فاتورة كهرباء دقيقة، ويريد أن يجد السلع الأساسية بأسعار عادلة، ويريد أن يحصل على وحدته العقارية في الموعد المتفق عليه، ويريد طريقًا آمنًا، ويريد مرورًا منضبطًا، ويريد مسؤولًا يستمع إلى شكواه، ويريد قانونًا يحميه، ويريد أن يشعر بأن الدولة موجودة إلى جواره عندما يحتاج إليها.

وهذا هو الفارق بين التوجيه الذي يبقى حبرًا على ورق، والتوجيه الذي يتحول إلى سياسة يشعر المواطن بنتائجها.

لقد أكد الرئيس أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى العمل والفهم والصبر، في ظل عالم شديد الاضطراب، وأرى أن هذه المعادلة يجب أن نفهمها جيدًا.

فالصبر لا يعني السكوت عن الخطأ، والثقة لا تعني غياب الرقابة، والنقد لا يعني هدم الدولة، والإصلاح لا يعني أن يتحمل المواطن إلى ما لا نهاية دون أن يرى نتائج.

المعادلة الصحيحة هي: صبر مع عمل، وثقة مع رقابة، وإصلاح مع محاسبة، ووعي مع شفافية.

وفي ختام الكلمة، عاد الرئيس إلى جوهر المناسبة، مؤكدًا أن رفعة الأمة لا تقوم على الكلمات التي تردد فقط، وإنما على نمط تفكير ومنهج عمل وطريقة حياة، وأن الأمة المتقدمة مطالبة بإتقان عبادتها كما تتقن زراعتها وصناعتها وإقامة حضارتها، وأن تتحصن بالعلم والأخلاق.
وهنا تكتمل الصورة.

فالدولة لا تبنى بالإجراءات وحدها، والمجتمع لا يتقدم بالقوانين وحدها، والاقتصاد لا ينمو بالأرقام وحدها.

نحن بحاجة إلى إنسان يتقن عمله، ويحترم القانون، ويؤدي واجبه، ويعرف حقوقه، ويدرك مسؤولياته.

وهذه هي النقطة التي تلتقي فيها رسالة المولد النبوي مع مشروع بناء الدولة.

وفي تقديري، وضعت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة أمام مجموعة واضحة من المسؤوليات: كشف حساب، وشفافية، وحماية حقوق المواطنين، وتحسين الخدمات، وضبط الأسواق، وتطوير النقل والطرق، وتحقيق الانضباط المروري، وتفعيل دور المحليات، وإنفاذ القانون، ومواجهة الفساد والمجاملة.

لكن الأهم الآن ليس تعداد هذه الملفات، وإنما متابعة تنفيذها.

فالمواطن لا يريد فقط أن يسمع عن الإنجازات، وإنما يريد أن يراها، ولا يريد فقط أن يسمع عن حماية حقوقه، وإنما يريد أن يحصل عليها، ولا يريد فقط أن يسمع عن مكافحة الفساد، وإنما يريد أن يرى القانون يطبق على الجميع، ولا يريد فقط الحديث عن تحسين الخدمات، وإنما يريد أن يشعر بتحسنها.

ومن هنا أرى أن كلمة الرئيس ليست نهاية الحديث، وإنما بداية مرحلة اختبار حقيقية لأداء الحكومة وأجهزة الدولة.

إن مصر قادرة على تجاوز التحديات بما تملكه من مؤسسات قوية وشعب عظيم وإرادة وطنية، ولكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى المزيد من العمل والإخلاص وإتقان الأداء والشفافية والمحاسبة.

فالمواطن هو محور الدولة وهدف الإصلاح، وحقوقه ليست مجالًا للمجاملة، ومقدرات الوطن ليست ملكًا لأحد، والقانون يجب أن يكون فوق الجميع.

فلا مكان لفاسد، ولا مجاملة لمن يتلاعب بحقوق الشعب، ولا تهاون في حماية مقدرات الوطن.

والأهم من كل ذلك أن تتحول الكلمات إلى أفعال، والتوجيهات إلى قرارات، والقرارات إلى نتائج، والنتائج إلى واقع يلمسه المواطن المصري في حياته اليومية.

تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر.

تم نسخ الرابط