هل تتخيل أن دولة كاملة يمكن أن تُدفع إلى الإفلاس عمدًا؟
ليس بسبب حرب، ولا كارثة طبيعية، بل بسبب "قروض" تبدو في ظاهرها مساعدة، وفي حقيقتها فخ قاتل!
هل تصدق أن رئيسًا منتخبًا قد يُقتل فقط لأنه قرر أن يجعل ثروة بلده للشعب، لا للشركات الأجنبية؟
وهل يمكن لدولة صغيرة مثل بنما أن تُغزى عسكريًا، فقط لأنها فكرت في الاستقلال وتطوير قناة بنما بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية؟
هذه ليست رواية، ولا خيال سياسي، بل وقائع موثقة يرويها أحد أخطر الشهود من داخل المنظومة نفسها، إنه جون بيركنز، الرجل الذي اعترف بأنه كان جزءًا من عملية تُسمى: "الاغتيال الاقتصادي للأمم".
اليوم سنفتح ملفين شديدي الخطورة: الإكوادور، وبنما، وسنعرف كيف تبدأ اللعبة، وكيف تنتهي.
في هذه الحلقة لن نقرأ التاريخ كما يُقدم لنا في نشرات الأخبار، بل سنقرأه كما يحدث خلف الستار.
سنفهم كيف تُدار الدول بالديون، وكيف تُصنع الأزمات الاقتصادية، وكيف تتحول القروض إلى سلاح أخطر من المدافع والطائرات.
قبل أن ندخل في التفاصيل، دعونا نضع مفهومًا أساسيًا أمامنا: هناك احتلال عسكري نراه جميعًا، وهناك احتلال اقتصادي لا يراه إلا القليل.
الاحتلال العسكري مكلف، يثير غضب الشعوب، ويُدينه العالم. أما الاحتلال الاقتصادي فهو أكثر ذكاءً، وأكثر خبثًا، وأكثر ديمومة.
كيف يحدث ذلك؟
ببساطة، يتم إغراق الدول النامية بالقروض، ثم تُربط هذه القروض بشروط قاسية، ثم تتحول الدولة إلى رهينة، وعندما تعجز عن السداد تبدأ مرحلة "البيع الإجباري": بيع الأرض، بيع الموارد، بيع النفط، بيع الغابات، بيع القرار السياسي.
والآن، دعونا نبدأ بأحد أخطر الأمثلة: إنها الإكوادور.
يعترف جون بيركنز في شهادته الصادمة بأنه وزملاءه نجحوا في دفع الإكوادور نحو الإفلاس المتعمد.
خلال ثلاثين عامًا فقط، ارتفع الفقر من 50% إلى 70% من السكان، وزادت البطالة من 15% إلى 70%.
أما الدين العام فكانت الصدمة الأكبر: من 240 مليون دولار إلى 16 مليار دولار! بل إن الإكوادور أصبحت تخصص قرابة 50% من ميزانيتها فقط لسداد الديون.
تخيل دولة، نصف ميزانيتها يذهب للبنوك وليس للشعب!
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية، لم يعد أمام الإكوادور حل لشراء ديونها إلا بيع غاباتها لشركات البترول الأمريكية. نعم، بيع غابات الأمازون!
لكن لماذا الإكوادور تحديدًا؟ ولماذا كل هذا التركيز عليها؟
يؤكد بيركنز أن السبب الرئيسي في استهداف الإكوادور هو أن غابات الأمازون تحتوي على احتياطي نفطي ضخم، احتياطي يُعتقد أنه منافس للشرق الأوسط.
وهنا نفهم المعادلة: الإكوادور ليست دولة فقيرة، بل دولة غنية، لكن تم تحويل ثروتها إلى لعنة.
ويكشف بيركنز رقمًا صادمًا: لكل 100 دولار من النفط المستخرج من غابات الإكوادور، تحصل الشركات الأمريكية على 75 دولارًا، ولا تحصل الإكوادور إلا على 25 دولارًا فقط.
ثم تأتي الصدمة الثانية: من هذه الـ 25 دولارًا، تذهب 75% لسداد الديون والمصروفات الحكومية والدفاع، ولا يتبقى للشعب، للصحة، للتعليم، وللبرامج الاجتماعية سوى 2.5 دولار فقط.
معنى ذلك أن كل 100 دولار من النفط المستخرج لا يستفيد الشعب سوى بـ 2.5 دولار فقط!
هل هذا استثمار؟ أم استعمار اقتصادي جديد؟
لكن عندما حاول رئيس الإكوادور كسر هذه المعادلة، لم تكن النهاية اقتصادية، بل كانت دموية.
في الرابع والعشرين من مايو عام 1981م، اغتيل رئيس الإكوادور المنتخب: خايمي رولدوس (Jaime Roldós) عبر تفخيخ طائرته، وهي عملية يُعتقد على نطاق واسع أن الاستخبارات الأمريكية كانت خلفها.
لكن لماذا اغتياله؟
لأن الرجل جاء إلى الحكم عبر انتخابات ديمقراطية حقيقية، وفاز فوزًا ساحقًا لم يحققه أحد في تاريخ الإكوادور، وكان يحمل مشروعًا بسيطًا جدًا: أن تذهب أرباح النفط للشعب، لا للشركات.
وهذا وحده كان كافيًا ليصبح عدوًا للولايات المتحدة.
فتم إرسال مجموعة من "الاقتصاديين الأمريكيين" وهم في الحقيقة عملاء مرتبطون بالمخابرات، لمحاولة استمالته أو إفساده.
عرضوا عليه المال والثراء، قالوا له: يمكنك أن تصبح غنيًا أنت وعائلتك، لكن رولدوس رفض. رفض أن يبيع وطنه.
وبعد رفضه جاء الرد سريعًا: تحطمت الطائرة، وانتهى الرجل.
ثم جاءت التفاصيل الأكثر رعبًا، تم تطويق منطقة الحادث بالكامل ولم يُسمح بالدخول إلا للجيش الأمريكي المتواجد في قاعدة قريبة مع بعض الجيش الإكوادوري.
وعندما بدأ التحقيق، تمت تصفية اثنين من الشهود الرئيسيين في حوادث سيارات قبل أن يدليا بشهادتهما.
الرسالة كانت واضحة: من يتحدى مصالح واشنطن يدفع الثمن.
لكن اغتيال رولدوس لم يكن مجرد حادث منفرد، بل كان مقدمة لملف آخر أكثر خطورة: ملف بنما.
ثانيًا: بنما… من صناعة الدولة إلى غزوها
بنما دولة صغيرة، لكنها من أهم الدول في العالم سياسيًا واقتصاديًا. لماذا؟ لأنها تمتلك شريانًا استراتيجيًا: قناة بنما.
نشأت بنما كدولة مستقلة عام 1903م بعد أن كانت جزءًا من كولومبيا.
وحين رفضت كولومبيا تسليم بنما للولايات المتحدة، أرسلت واشنطن أسطولها العسكري، واعتقلت وقتلت قوات الميليشيا المحلية، ثم أعلنت بنما دولة مستقلة بحكومة شكلية تحكمها عائلات ثرية مهمتها حماية المصالح الأمريكية.
وهكذا ولدت بنما تحت الوصاية.
لكن في عام 1968م، ظهر رجل مختلف، رجل اسمه: عمر توريخوس.
عمر توريخوس… الزعيم الذي أراد الاستقلال:
في عام 1968م تولى الحكم في بنما الرئيس عمر توريخوس (Omar Torrijos) بعد انقلاب أطاح بآرنولفو آرياس.
كان توريخوس قائدًا ذا شعبية كبيرة، يحظى باحترام شعبه واحترام العالم.
هدفه الأساسي كان واضحًا: تحرير بنما من الإمبريالية الأمريكية، وتأكيد حقها في الاستقلال، وفي الانتفاع بأرضها ومواردها.
وفي تلك الفترة، كان رئيس الولايات المتحدة هو جيمي كارتر الذي كان يميل إلى السلام وتقليل الصدامات.
وفي السابع من سبتمبر عام 1977م، وقع الطرفان اتفاقية تاريخية: اتفاقية (توريخوس – كارتر)، والتي استعادت معها بنما جزءًا كبيرًا من سيادتها.
وبدأ توريخوس يفكر في مشاريع تنموية تعود بالنفع على الكادحين.
لكن، هل تسمح أمريكا لقائد وطني أن ينجح؟ خصوصًا إذا كان يرفض الرشوة؟
كان عمر توريخوس مخلصًا لوطنه، رافضًا للفساد، لا يشغله سوى النهوض ببلاده. لكن ذلك لم يرضِ الإدارة الأمريكية، فبدأت محاولات الرشوة.
وعندما عُرض عليه المال كان رده صادمًا: "أنا لا أحتاج المال، ما أريده هو أن تُعامل بنما معاملة منصفة، أريد أن تسدد الولايات المتحدة ثمن الخراب الذي أحدثته ببلادنا، وأريد أن تعود قناة بنما لسيطرة الشعب البنمي".
هذا الكلام وحده كان إعلان حرب!
ثم جاءت النقطة الأخطر: توريخوس أراد التعاون مع اليابان لتطوير القناة.
سعى عمر توريخوس للتعاون مع اليابان لتطوير قناة بنما، وهذا يعني ببساطة: أن الشركات الأمريكية ستخسر مشروعًا كان سيضخ مليارات الدولارات، وأن الولايات المتحدة ستفقد نفوذها طالما أن بنما لم تقع تحت عبء الديون.
وهنا بدأت أمريكا تلعب نفس اللعبة: إرسال "قراصنة الاقتصاد"، وعلى رأسهم جون بيركنز نفسه.
بيركنز يروي لقاءه مع توريخوس، ويعترف بأنه فشل؛ لم يستطع أن يفسده، لم يستطع أن يشتريه، لم يستطع أن يخضعه.
وهنا، حسب شهادة بيركنز، كان لابد أن تتحرك مرحلة أخطر: مرحلة "الثعالب"، وهي فرق الاغتيالات والانقلابات.
توريخوس كان يعلم أنه الهدف التالي بعد اغتيال رولدوس في الإكوادور.
بعد شهرين فقط من اغتيال رئيس الإكوادور، سقطت طائرة عمر توريخوس وانفجرت، ومات الزعيم البنمي في حادث مروع عام 1981م.
وكانت القناعة العامة واضحة: من يقف خلف الحادث هم عملاء الولايات المتحدة وعملاء وكالة الاستخبارات المركزية.
بل إن هناك أدلة كثيرة تشير إلى أن أحد الحراس الأمنيين تم تزويده بجهاز تسجيل صغير يحتوي على قنبلة قبل صعوده إلى الطائرة.
وهكذا انتهى الرجل الذي أراد استقلال بنما بالطريقة نفسها التي انتهى بها رولدوس.
لكن اغتيال توريخوس لم يكن نهاية القصة، بل كان بداية مرحلة أكثر دموية.
بعد وفاة توريخوس، تولى الحكم مانويل نورويغا (Manuel Noriega). ورغم ما انتشر عن فساده وتجارته بالمخدرات وعلاقته القوية بمدير المخابرات الأمريكية وليام كاسي، إلا أن نورويغا كان عاقدًا العزم على استكمال مشروع القناة مع اليابانيين.
وهنا أصبحت بنما مرة أخرى مشكلة يجب حلها.
وعندما تفشل القروض، وتفشل الرشوة، ويفشل الاغتيال، لا يبقى إلا الخيار الأخير: تحريك الجيوش.
الفقرة الثانية: غزو بنما 1989م
في 20 ديسمبر 1989م، فزع العالم أجمع عندما غزت الولايات المتحدة بنما، وهي دولة صغيرة لا يتجاوز سكانها مليوني نسمة.
دخلت القوات الأمريكية الشوارع بالقتل والإحراق والدمار في عملية أطلقوا عليها اسم: "عملية القضية العادلة".
عملية استمرت لأكثر من شهرين، من منتصف ديسمبر 1989م حتى أواخر يناير 1990م.
تم احتلال بنما، وتم إسقاط نورويغا رغم أنه كان في الأصل رجلًا عمل طويلًا مع وكالة المخابرات الأمريكية.
بل إن المفارقة الأكبر أن نورويغا كان على علاقة مباشرة بمؤسسات أمريكية في فترة تولي جورج بوش الأب إدارة الـ CIA.
تم القبض عليه ونُقل إلى الولايات المتحدة وحُوكم بتهم الابتزاز وتهريب المخدرات.
وهو ما حدث مع الرئيس الفنزويلي؛ ففي يناير 2026 أعلنت إدارة ترامب اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته في عملية عسكرية خاطفة أطلق عليها "عملية العزم المطلق"، بعد خيانة عسكرية وتواطؤ أدى لنقلهم من كاراكاس إلى نيويورك بتهم تهريب مخدرات وتآمر، وهو نفس الاتهام الذي حوكم به رئيس بنما مانويل نورويغا.
لكن المثير للسخرية أنه تمت محاكمته لأنه رئيس يمارس سلطاته داخل بلاده، وليس لأن واشنطن كانت تريد العدالة!
والآن اسأل نفسك: هل كان الغزو دفاعًا عن الأمن القومي الأمريكي؟ أم دفاعًا عن قناة بنما؟
الحقيقة التي لا يريدون الاعتراف بها أن بنما لم تكن شيوعية، ولم تكن اشتراكية، ولم تكن تهدد الولايات المتحدة.
كل ما فعلته بنما أنها أرادت الاستقلال، أرادت إدارة القناة، أرادت أن تتخذ قرارها بنفسها.
لكن هذا وحده، في نظر الإمبراطورية، جريمة لا تُغتفر.
تم منع الصحافة من الوصول، وتم تزييف التقارير حول الضحايا والمشردين، وتم تقديم الحرب للعالم على أنها "عملية عدالة"، لكنها في الحقيقة كانت رسالة للعالم كله: من يحاول الخروج من الهيمنة الأمريكية سيدفع الثمن.
والمفارقة الكبرى أن التاريخ كرر نفسه بسرعة؛ فبعد أقل من عامين فقط من غزو أمريكا لبنما، غزا العراق الكويت، فهاجمت أمريكا العراق واعتبرت الغزو جريمة دولية وتحدثت عن احترام السيادة والقانون الدولي!
لكن السؤال: أين كانت هذه المبادئ عندما غزت أمريكا بنما؟ كيف تدين فعلًا ارتكبته بنفسها؟
هنا نفهم الحقيقة القاسية: القانون الدولي في كثير من الأحيان لا يُطبق على الجميع، بل يُطبق على الضعفاء فقط.
قصة الإكوادور وقصة بنما ليستا مجرد أحداث تاريخية، هما نموذج كامل لطريقة إدارة العالم الحديث.
الديون ليست مجرد أرقام، إنها قيود.
والقروض ليست دائمًا مساعدات، بل قد تكون أدوات احتلال.
والرؤساء الوطنيون لا يتم إسقاطهم دائمًا بانقلاب، أحيانًا يسقطون بطائرة مفخخة، أو بحادث مدبر، أو بحصار اقتصادي حتى ينهار الشعب.
ثم تأتي اللحظة الأخيرة: عندما تفشل كل الأدوات تحرك الجيوش.
إن أخطر ما يواجه الدول ليس العدو الخارجي فقط، بل الجهل بطريقة عمل العدو.
انتظرونا في الحلقة القادمة؛ حيث سنكمل ملف "قراصنة الاقتصاد"، وسنفتح صفحات جديدة من تاريخ السيطرة الأمريكية في منطقتنا العربية.
الحلقة القادمة بعنوان: "حين يفشل قراصنة الاقتصاد… يدخل الجيش الأمريكي: فنزويلا 2002 والعراق 2003".