عاجل

في كل مدينة أشياء كثيرة نتعامل معها باعتبارها انتهت بمجرد أن نلقيها في سلة المهملات، لكن الحقيقة أن بعض ما نلقيه قد لا يكون نهاية الحكاية، بل بداية دورة جديدة من الإنتاج، فالمخلفات ليست مجرد عبء يجب رفعه من الشوارع ونقله بعيدا عن أعيننا، وإنما مواد خام يمكن استردادها، وطاقة يمكن إنتاجها، وفرص استثمار وعمل يمكن أن تتشكل حولها، وهنا تتغير زاوية النظر إلى هذا الملف: القضية لم تعد فقط كيف نتخلص من القمامة، وإنما كيف نستعيد قيمتها قبل أن تضيع، وكيف تتحول منظومة النظافة من عملية إنفاق مستمرة إلى منظومة تسترد الموارد وتعيدها إلى الاقتصاد، بحيث يصبح ما كان يلقى جانبا جزءا من حركة الإنتاج، وما كان ينظر إليه باعتباره نفايات يتحول إلى مورد، وما كان يمثل تكلفة يمكن أن يصبح قيمة مضافة في الاقتصاد المصري.

إن النقلة في طريقة التفكير تجاه المخلفات ليست ترفا إداريا أو بيئيا فحسب، وإنما ضرورة اقتصادية حتمية، المخلفات التي تفرزها المدن والمصانع والمنازل هي خليط معقد من "المواد الخام الثانوية" التي يمكن استردادها وإعادة ضخها في دورة الإنتاج بدءا من الورق والبلاستيك والمعادن، وصولا إلى المخلفات العضوية التي يمكن بتقنيات حديثة تحويلها إلى سماد عالي الجودة، أو وقود بديل، أو حتى طاقة متجددة ومن هنا، يتجلى مفهوم "ثروة القمامة" كعنوان لقطاع اقتصادي واعد قادر على خلق قيمة مضافة حقيقية إذا أدير بمنطق "الاستثمار" لا بمنطق "التخلص".
إن الدولة المصرية أدركت هذه المعادلة، وقطعت بالفعل مسافة استراتيجية مهمة في بناء منظومة حديثة لإدارة المخلفات وبحسب بيانات وزارة البيئة، قفزت نسبة المخلفات البلدية الصلبة التي يجري تدويرها بطريقة سليمة بيئيا من نحو 10% فقط عام 2018 إلى 37% في 2025، مع استهداف طموح للوصول إلى 60% بحلول يونيو 2027 كما ارتفع عدد المدافن الصحية الآمنة من 3 مدافن فقط في 2018 إلى 47 مدفنا، وزاد عدد منشآت المعالجة والتدوير إلى 46 منشأة هذه الأرقام تعكس تطورا هائلا في البنية الأساسية، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام مرحلة أكثر تقدما: الانتقال من "بناء المنظومة" إلى "قياس عائدها الاقتصادي".
في هذه المرحلة من تطور منظومة إدارة المخلفات، يصبح من المهم أن تتسع مؤشرات النجاح لتشمل إلى جانب كفاءة الجمع والنقل والمعالجة، حجم القيمة التي يمكن استردادها من كل طن من المخلفات، المؤشر الأكثر دلالة على نضج المنظومة هو قدرتها على تحويل المخلف إلى مورد اقتصادي، من خلال معرفة تكلفة إدارته، ونسبة المواد التي يمكن استعادتها وإعادة إدخالها في دورة الإنتاج، وما ينتج عنه من طاقة أو وقود أو أسمدة، فضلا عن فرص العمل والاستثمارات التي تنشأ حول هذه الأنشطة، وبهذه الرؤية يمكن أن تتحول البيانات المتاحة داخل المنظومة الذكية إلى أداة للتخطيط والاستثمار، تساعد الدولة على تحديد أفضل مسارات المعالجة والتدوير، وتوجيه الموارد إلى المجالات الأعلى عائدا، بما يعزز كفاءة الإنفاق ويزيد القيمة الاقتصادية للمخلفات.

الماكينات الذكية التي بدأت تدخل إلى منظومة النظافة تكتسب أهمية خاصة، باعتبارها أحد التطبيقات العملية لفكرة الإدارة الحديثة للمخلفات، حيث تتيح للمواطن وضع بعض العبوات والمخلفات القابلة لإعادة التدوير، مثل الزجاجات البلاستيكية، في نقاط مخصصة بدلا من التخلص منها مع باقي المخلفات، أهمية هذه الماكينات لا تتوقف عند تحسين المظهر العام أو الحد من ظاهرة إلقاء العبوات في الشوارع، وإنما تمتد إلى تشجيع المواطن على الفصل من المصدر وتحويل السلوك اليومي إلى جزء من منظومة اقتصادية متكاملة فكل زجاجة يتم جمعها بصورة منفصلة وبجودة أفضل ترفع فرص إعادة تدويرها والاستفادة من خاماتها، كما أن انتشار هذه الوسائل في الأماكن العامة يمكن أن يعزز الوعي بأن المخلفات ليس شيئا بلا قيمة، وإنما موارد يمكن استعادتها وإعادتها إلى دورة الإنتاج ومع ربط هذه الماكينات بالمنظومة الرقمية الأوسع، يمكن مستقبلا أن تصبح البيانات الناتجة عنها جزءا من خريطة دقيقة لحركة المخلفات القابلة للتدوير، بما يساعد على تحسين عمليات الجمع والتوزيع وتحديد المناطق الأكثر احتياجا، ويدعم بناء منظومة نظافة أكثر كفاءة واستجابة لسلوك المواطنين.

هذا المنظور يضع ملف المخلفات في قلب "الاقتصاد الدائري"، حيث يجب ألا يكون مصير المادة النهائي المدفن إذا كانت قادرة على العودة لسلاسل الإنتاج، وفي بلد يسعى لزيادة التصنيع المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد، تصبح إعادة التدوير وسيلة عبقرية لاسترداد جزء من المواد الخام التي كنا نشتريها من الخارج بعملات صعبة؛ لكن تعظيم العائد من هذه المنظومة يحتاج إلى تأسيس ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد سياسي للمخلفات»، يقوم على البيانات الدقيقة ووضوح الرؤية وتكامل الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص، وكلما امتلكنا خريطة أكثر دقة لحجم المخلفات المتولدة سنويا، وتوزيعها الجغرافي، وتركيبها ونسب المواد القابلة للتدوير، إلى جانب بيانات تكلفة الجمع والنقل والمعالجة، أصبح من الأسهل توجيه الاستثمارات إلى المناطق والأنشطة الأكثر جدوى كما أن استقرار القواعد المنظمة للقطاع ووضوح التعاقدات وتوافر مؤشرات تساعد على توقع أسعار المواد المستردة، كلها عوامل تمنح المستثمر قدرا أكبر من اليقين، وتساعد على بناء سوق متنامية لإعادة التدوير وتحويل المخلفات إلى طاقة ومواد خام، بما يجعل الاستثمار في هذا القطاع جزءا من منظومة التنمية الاقتصادية وليس مجرد نشاط خدمي

من المهم أيضا تفعيل مبدأ "المسؤولية الممتدة للمنتج" كأداة اقتصادية بحتة، وليس مجرد التزام بيئي، النظام المصري يلزم المنتجين والمستوردين بتحمل مسؤولية إدارة مخلفات منتجاتهم بعد الاستخدام، مما ينقل جزءا من تكلفة الإدارة إلى دورة الإنتاج ذاتها، ويجبر الشركات على تصميم منتجاتها لتكون قابلة لإعادة التدوير منذ اللحظة الأولى.

إن قطاع المخلفات قادر على خلق آلاف الفرص المباشرة وغير المباشرة، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص أصبح ركيزة أساسية، إذ ارتفعت عقود القطاع الخاص في مجالات الجمع والنقل والتدوير، والمسألة في النهاية ليست كم طنا نستطيع أن ندفن، بل كم طنا نستطيع أن نمنحه حياة اقتصادية جديدة.

مصر قطعت خلال السنوات الماضية خطوات مهمة في بناء منظومة متكاملة لإدارة المخلفات وتطوير بنيتها الأساسية، وهو ما يهيئ للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما تركز على تعظيم القيمة الاقتصادية لما يتم جمعه ومعالجته وتكمن الأولوية المقبلة في توسيع الروابط بين قطاع المخلفات والصناعة والطاقة والزراعة، بحيث تصبح عمليات التدوير وإعادة الاستخدام وتحويل المخلفات إلى طاقة جزءا من دورة إنتاجية متكاملة ومع تطور أدوات القياس والبيانات، يمكن أن يصبح من الطبيعي أن ننظر إلى نتائج المنظومة من زاويتين متكاملتين: كفاءة الإنفاق من ناحية، والقيمة الاقتصادية المستردة من المخلفات من ناحية أخرى وعندها تتحول إدارة المخلفات إلى قطاع إنتاجي قادر على جذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، وتوفير خامات وطاقة، والمساهمة في بناء اقتصاد أكثر كفاءة في استخدام موارده.

تم نسخ الرابط