جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف كاشفة ومعبره عن حجم متابعة الرئيس الواسعة والعميقة لكل ما يدور فى الشارع المصرى من تحديات وهموم ومشاكل وتساؤلات ، وان كل ينشر على وسائل التواصل الاجتماعى من شكاوى للناس يخضع لدراسة دقيقة تنتهى بوضع توصيات وحلول تتعامل معها الدولة بجديه.
تأتى الكلمة فى سياق اقليمى ودولى صاخب بالصراعات والحروب والازمات وتداعيتها الاقتصادية بالغة الصعوبة ويتشارك الجميع فى دفع فاتورتها الباهظة ومصرليست استثناء ، تكفى نظره على اسعار البترول فى الاسواق العالمية وتأثر سلاسل الامداد باغلاق مضيق هرمز وامتداد التأثير لقناة السويس نتيجة صراع نحن لسنا طرفا فيه لكن نكتوى بناره .
ومع ذلك تجتهد الدولة المصرية فى توفير احتياجات المواطن الاساسية وتسعى لاستكمال مسار الاصلاح الاقتصادى الضرورى والواجب ، كل ذلك يتم تحت ضغط عمليات نفسية شديدة الوطأة من منصات اعلامية معادية لديها تواجد على السوشيال ميديا و تبث من الخارج مواد مزيفة او تحرف وقائع او تغالط فى ارقام وكلها جزء من مخطط يسعى لهدم الدولة المصرية والانتقام من اسقاط حكم تنظيم ارهابى لايزال يتاجر بالدين ويتأمر لتخريب حياة الناس .
قال الرئيس بوضوح إنه لا يقلق على مصر من متغيرات العالم حولها، وانما الخطر الحقيقي يكمن في إرباك وعي الناس، وعدم قدرتهم على التمييز بين الحقائق والأكاذيب، وتأثرهم بسيل الشائعات المتكرره والتي تتعرض لها مصر بصورة لحظية، ناهيك عن حملات الكذب والإفك والافتراء التي تستهدف التشكيك وزرع الشك وهدم الثقة.
فى ادبيات الاجيال الحديثة من الحروب لا تهدم عبر العدوان على حدودها ، ولا تكون الضربة الأولى بالضرورة عسكرية، لكن البداية دائما من اثار النفوس بالتشكيك في كل شيء؛ في المؤسسات، وفي قدرة الدولة، وفي كل قرار، ثم في القيادة نفسها، لأن ضرب الثقة في القيادة هى أحد أخطر المعاول التي يمكن أن تُستخدم في هدم الدول من الداخل وبايدى ابنائها ، دون اطلاق رصاصة او تحريك جيش.
اختار الرئيس أن يتعامل مع هذه المسألة بكل جدية ؛ وعبر وضع الحقائق أمام الناس، وفتح الباب للمصارحة والمكاشفة، لأن المعركة الحقيقية ، ليست مع ما يقال فى الخارج بقدر ما هى مع ما يمكن أن يترسب فى عقول الناس من شك، وما يمكن أن يصنعه هذا الشك، إذا تُرك دون مواجهة ، فلا يهزم الاكاذيب سوى الحقائق .
أما محترفى الافك من ابواق التنظيم الارهابى الهاربه الذين اختاروا الكذب والافتراء وسيلة لإرباك المصريين والنيل من ثقتهم فى بلدهم، فقد ترك الرئيس أمرهم إلى حساب من نوع آخر، لم يدخل معهم فى خصومة من النوع الذى يبحثون عنه ، وإنما رد عليهم من موقع مختلف، حين ذكّر بأن الكذب الذى يُراد به إفساد حياة الناس، والخراب الذى يُسوَّق باسم الدين أو السياسة، له فى النهاية حساب لا يملكه البشر، وإنما هو حساب عند العلى القدير .
مشاركة الناس الحقائق هى فلسفة إدارة الدولة خلال الأيام القادمة، مع التعامل الحاسم مع كل مظاهر الفساد والتقصير والعبث بحقوق المواطنين ، قال الرئيس نصًا «لا موضع بيننا لفاسد، ولا مجاملة لمن يتلاعب بحقوق الشعب، أو يعبث بمقدرات هذا الوطن العظيم».
وهذه الجملة، إذا قرئت في سياقها الكامل، تكشف ترتيبًا مهمًا لأولويات الدولة المصرية في لحظة شديدة التعقيد. فمصر تواجه آثار اقتصاد عالمي لم يكد يلتقط أنفاسه من أزمة حتى داهمته أخرى اكثر صعوبة ، وتتعامل مع تحديات أمنية متشابكة، فى منطقة حروب مستمرة تسكن حدودنا ، وتخوض في الوقت نفسه معركة نفسية شديدة الوطأة تستهدف ارباك وعي الناس، مستغلة الضغوط الاقتصادية التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
لكن هذه الظروف، في منطق الرسالة الرئاسية، لا تتحول إلى مبرر للمواطن أن يتحمل الأعباء والصعوبات، بينما يترك المقصر أو الفاسد أو المتلاعب بحقوق الناس بعيدًا عن الحساب، فالدولة التي تواجه خطرا على امنها القومى تصبح أكثر حاجة إلى الانضباط والعدالة بين مواطنيها ، وكلما زادت صعوبة الظروف وعظمت التضحيات ، أصبحت المحاسبة ضرورة أكبر بل وجزء مهم واصيل يحمى الجبهة الداخلية من اى تصدع .
وهنا يمكن فهم هذه التفاصيل التى توقف عندها الرئيس فالعقود العقارية، وفواتير الكهرباء، وضبط الأسواق، والانضباط المرورى وحماية أرواح الناس، ليست موضوعات متفرقة بل هى نقاط التماس المباشرة بين الدولة وشعبها وهى الاشارة الاهم والداله على التزام الدولة بحماية حقوق شعبها .
حديث الرئيس تطرق لنقطة خطيرة اخرى ، وهى ان الناس لازالت تصدق " النصابين " تحت وهم استثمار اموالهم ، ثم سرقتها والهروب بها ، وهى قصة قديمة جديدة ودائمة التكرار فى السنوات الاخيرة ، ومع ذلك وعد الرئيس بالتدخل لحماية اموال الناس ، لكنى اريد ان اتوقف امام انه لا احد يتعلم رغم ان الصحافة كشفت والاعلام المصرى حذر مئات المرات ، الا ان الاعلام المعادى يدفع الناس الى التشكك فى المؤسسات الرسمية وتحذيراتها ، بشكل يمهد الطريق امام اى نصاب يبيع الوهم حتى اصبح "المستريحيين" هم ملاذ الاموال التى يرغب اصحابها فى الحصول على اعلى عائد عليها رغم انه وهم ذاق مرارته الالاف الضحايا السابقين .
هو نفس الوهم الى يباع فى موضوعات عده يتطرق لها ذلك الاعلام واذرعه على السوشيال ميديا ، عن امتلاك البعض لحلول لازمات مصر ، او ان حكم الاخوان كان سيحل تلك المشكلات ، وهى اكبر نكتة يعلمها كل من عاصر حكمهم البائس ، لقد كانت مصر تعيش حالة عدم يقين بسبب تصرفاتهم السياسية الاحتكارية ، واتضح انهم خبراء فى الهدم لكن لا علاقة لهم بالاصلاح او البناء الحقيقى ولا تعنيهم مصالح الناس ويتهربون من اى استحقاق او محاسبة بتوجيه الاتهامات لخصومهم السياسيين بما فيهم السلفيين انفسهم حتى تيقن الجميع ان هدفهم الوحيد هو السلطة وتمكين التنظيم من مفاصل الدولة ، وكان التشوية والتهديد بالقتل والتعذيب البدنى هو عقاب كل من ينتقدهم ، واسوار الاتحادية تشهد على جرائمهم ضد من اعترض قراراتهم وقتها، بل ان قمة التدليس السياسى ان تتحدث ابواق الارهاب عن حرية الصحافة والاعلام وعلى يدهم دم الزميل الحسينى ابو ضيف اضافة الى حصارمدينة الانتاج الاعلامى ووضع قوائم بقتل زملاء اعلاميين .
ربما نسى البعض او تناسى لكن تلك هى الحقيقة التى لم تعاصرها الاجيال الجديدة ، وهم من يحاول الاخوان خداعهم الان .
استقرار وامن مصر عمل كبير وضخم ، يتم فى ظل وجود معادلة شديدة الصعوبة ، نحن امام دولة مطالبة بحماية 110 مليون نسمه ، وفى نفس الوقت لديها تحديات جسيمة امنية واقتصادية ، وتقوم باصلاح اقتصادى تأخر تحت ضغط أزمات عالمية متتالية ؟ وتسعى لحماية المواطن من اثار كل ذلك والحقيقة ان عناية الله ، وإرادة الشعب المصري في مواصلة مسيرة الإصلاح هى سبب نجاتنا من عواصف المنطقة المدمرة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
ومن هنا جاءت أهمية حديث الرئيس عن الفوضى في وسائل التواصل الاجتماعي، وعن محاولات إرباك وعي المواطنين، وعن الذين يتناولون الشأن المصري دون صدق أو معرفة أو إدراك لحجم التحديات ، فهذه الفوضى ليست الا جزء من عمليات نفسية تسعى لتحويل النقد إلى صناعة منظمة لليأس ، فهدف هذه الحرب على الدولة المصرية لم يكن ابدا إصلاح الخطأ، بل إثبات أن الإصلاح مستحيل.
الحرب النفسية سلاحها الرادع هو الحقيقة ، الواقع اقوى رد على التشكيك ، ولذلك طلب الرئيس من الحكومة إعداد تقرير كامل عن الإنجازات الفعلية في كل قطاعات العمل بالدولة في السنوات الماضية، وعرضها على المواطنين خلال شهر أكتوبر القادم، للوقوف بصورة شاملة على حجم الجهود المبذولة، والأموال المنفقة، والنتائج المحققة كما طلب من الحكومة والمثقفين والمفكرين وكل المهتمين بمصر وشؤونها خلال ذلك المؤتمر الذى سيتناول كل ما تم تنفيذه خلال السنوات الماضية، وفتح الباب امام مشاركة المواطنين المهتمين لمتابعة هذا المؤتمر، طالبا من الحكومة أن تستفيض في طرح الموضوعات المختلفة، وتعطي الفرصة للمفكرين والمتخصصين وأساتذة الجامعات للمشاركة ليكون المؤتمر فرصة لعرض الموضوعات والتحديات والمشروعات التي تم تنفيذها وتناولها لمدة أسبوع أو عشرة أيام، وان يتحلى الحوار بين الحكومة والمواطن بالشفافية والمصداقية.
بهذه الطريقه تحول التحدى الى فرصة للدولة والحكومة للنقاش مع المواطنين وعرض كل ما قامت به الدولة ليصبح النقاش هى طريقة الرد على شواغل الناس وصنع وعى حقيقى بالظرف الذى تعيشه مصر واهمية استمرار مسار الاصلاح .
وطرح الرئيس مساله الديون لافتا الى انه طلب من الحكومة حجم المديونية للدولة المصرية، سواء أكان الدين داخليًا أو خارجيًا، ومقارنته بحجم الدعم الذي قدمته الدولة طوال الخمسين عامًا الماضية، وفى ذلك رد ايضا على حملات تضخيم حجم الديون رغم التزامها التاريخى بالسداد .
ثم كانت النقطة الاكثر التصاقا بالمواطن هى توجيه الرئيس للحكومة بضرورة المتابعة المستمرة والوثيقة لمسألة احترام شركات العقارات بالعقود المبرمة مع المواطنين ، وعدم التأخير في تسليم الوحدات، وإنشاء البنية الأساسية والمرافق ذات الصلة وهى قضية شديدة الالتصاق بالاسرة المصرية ومصدر توتر لمن يحجز شقة ولا يتسلمها فى الميعاد المحدد بالعقد .
وخلال الايام القادمة ستقوم اجهزة الدولة المختلفة بعمل مراجعة شاملة فيما يخص العقود، مع كل المطورين العقاريين لضمان وفائهم بالتزاماتهم تجاه المواطنين، والرئيس استخدم لفظ دال على الجدية وقال سأكون "حادا" فى حماية مصالح الناس مشددا على التزام كل من أخذ أموالًا من الناس بتنفيذ العقد في الوقت المحدد وانه سيتم اتخاذ إجراءات قانونية للحفاظ على حقوق المواطنين، مؤكدا على ان الدولة لا تغفل حقوق مواطنيها، وهو ما ينطبق كذلك على مسألة احترام الشواطئ وهى امر يحسب ايضا للرئيس تدخلة من اجل اعادة حق الاستمتاع بالشاطىء العام مره اخرى للمواطن .
رسالة الرئيس هنا تقول بوضوح أن المواطن لا ينبغي أن يشعر بأنه الطرف الأضعف في مواجهة المال أو النفوذ، وأن وجود الدولة لا يقتصر على وضع القواعد، وإنما متابعة التزام الجميع بها وانها مطالبة بالحفاظ على حق المواطن اذا ما حاول احد التغول عليه .
امر اخر كان يزعج المصريين وهو التقدير الجزافى لفاتورة الكهرباء حيث تعددت الشكاوى منها وتفاعل معها الرئيس عبر توجيه وزير الكهرباء والطاقة المتجددة بالإشراف المباشر والمدقق على مسألة فواتير الكهرباء، وتجنب التقدير الجزافي، وتسهيل عملية تسديد المواطنين للمبالغ المتأخرة المستحقة عليهم، بما في ذلك النظر في إمكانية سداد المتأخرات، وهو امر يساهم كثيرا فى تسهيل حياة الناس .
ثم انتقل الرئيس الى توجيه الحكومة ووزير التموين والتجارة الداخلية بضرورة ضبط الأسواق باستمرار، والمتابعة الميدانية ، والتوسع في المبادرات وفي منافذ البيع الحكومية، وضرورة إنشاء منفذ حكومي واحد على الأقل في كل مركز من مراكز الجمهورية لتوفير السلع الأساسية بأسعار تتناسب مع القدرات الشرائية لمختلف فئات الشعب وطلب الرئيس افادته بكل هذه التطورات .
كما وجه وزير النقل بضرورة الانتهاء من كافة مشاريع النقل الجماعي في الأطر الزمنية الموضوعة لها، ووضع الإرشادات وتحسين حالة الطرق باستمرار، كما وجه وزير الداخلية من اجل قيام الوزارة بحملات مرورية متواصلة، لضمان تحقيق الانضباط المروري الصارم في الشارع، وذلك في كافة أنحاء الجمهورية، وضبط المخالفات وسرعة اتخاذ الإجراءات القانونية نحوها.
واستكمل الرئيس توجيهاته لوزارة التنمية المحلية والمحافظين، بضرورة المتابعة الميدانية على الأرض، وفتح قنوات للتواصل المباشر مع المواطنين، وتلقي الشكاوى والاستفسارات وشرح الحقائق لهم، وتسهيل الخدمات المقدمة، والوقوف على المشاكل والعمل الجاد على تذليلها، مع ضمان المحاسبة الصارمة للمخالفين.
واختتم الرئيس توجيهاته بان على كل مسؤول في موقعه العمل على إنفاذ سيادة القانون بمنتهى الحسم مؤكدا " فلا موضع بيننا لفاسد، ولا مجاملة لمن يتلاعب بحقوق الشعب، أو يعبث بمقدرات هذا الوطن العظيم " .
لا تستطيع أى دولة، ومهما بلغت قدرتها، أن تعزل نفسها عن عواصف الاقتصاد العالمى، أو أن تتحكم وحدها فى أسعار الغذاء والطاقة، أو أن تمنع عن مواطنيها كل ما تأتى به الحروب والأزمات من ضغوط اقتصادية ، لكن هناك فارقًا بين ما تفرضه الظروف على الدولة، وما تسمح هى بأن يفرضه البعض على مواطنيها، فالتضخم الذى يأتى من الخارج قد يكون خارج نطاق السيطرة، أما الفوضى فى الأسواق والاستغلال والجشع وترك المواطن وحيدًا فى مواجهة ارتفاع الأسعار، فهذه أمور تقع داخل حدود مسئولية الدولة ولا يجوز أن تتحول قرارتها نفسها إلى عبء إضافى على الناس فى وقت يواجهون فيه أعباء اقتصادية متعددة.
ومن هنا جاءت أهمية حديث الرئيس عن ضبط الأسواق والتوسع فى منافذ البيع الحكومية، ليس باعتبارها حلولًا مؤقتة للمشكلة وإنما باعتبارها ضرورة لوجود قوة توازن داخل السوق، تضع حدًا لجشع البعض، وتمنح المواطن بديلًا لا يجعله أسيرًا لتقلبات الأسعار.
وفى الوقت نفسه، كانت الرسالة إلى المسؤولين واضحة: لا بديل عن النزول إلى الناس، والاستماع إلى شكاواهم، وفهم ما يواجهونه، ثم العمل على حل المشكلات ومحاسبة من يقصر فى أداء واجبه .
ولعل هذا هو المعنى الأوسع الذى يمكن أن تُقرأ من خلاله رسائل الرئيس كلها ، فالفساد وشعور المواطن بضغط اضافى من الحكومة يضعف قدرة الدولة على مواجهة تحدياتها الداخلية والخارجية ، كل مال عام يضيع هو مال كان يمكن أن يذهب إلى خدمة يحتاجها الناس، وكل حق يُهدر يهز شيئًا من الثقة، وكل مسؤول يتقاعس يفتح بابًا لمن يريد أن يقنع المواطن بأن دولته لا ترى ولا تسمع، وكل فاسد يستفيد من موقعه لا يدفع ثمن ما يفعله وحده، وإنما ينقل جزءًا من هذا الثمن إلى مجتمع كامل.
ولذلك فإن مواجهة الفساد قضية رئيسية تجعلها صعوبة المرحلة الحالية أكثر إلحاحًا ، وهنا تكتمل دلالة العبارة التى اختارها الرئيس بانه لا موضع بيننا لفاسد فهى ليست فقط رسالة إلى من يمد يده على المال العام، وإنما رسالة إلى كل من يعتقد أن صعوبة المرحلة يمكن أن تصبح ستارًا للتقصير أو الاستغلال.