عاجل

في مولد النبي ﷺ جميل أن نتذكر يومًا وُلد فيه خير من وطئت قدماه الأرض والأجمل والأكمل لاحتفالنا بذكري مولده الشريف أن نسأل أنفسنا: ماذا بقي من أثر رسول الله ﷺ في حياتنا بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان؟
فالمولد الحقيقي ليس تاريخًا فقط نحتفل به وإنما رسالة نستحضرها، وأخلاق نعيشها، ومنهجًا نعيد به بناء الإنسان والمجتمع.
ومن هنا توقفت كثيرًا أمام كلمة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفال وزارة الأوقاف بذكرى المولد النبوي الشريف فقد حملت الكلمة عددًا من المعاني التي تلتقي بصورة واضحة مع جوهر الرسالة المحمدية، وفي مقدمتها مكارم الأخلاق.
فمن أعظم آثار بعثة النبي ﷺ أن تتحول الأخلاق من كلمات تُقال إلى سلوك يُمارس: جبرًا للخواطر، ورحمة بالضعيف، وإنصافًا للمظلوم، وحزمًا في مواجهة الظلم، وإعلاءً لقيمة الإنسان. ولذلك قال ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق»، وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
ومن الملامح التي تستوقفني دائمًا في حديث السيد الرئيس عن مصر، استحضاره فضل الله وتوفيقه، ونسبته ما يتحقق من خير أولًا إلى الله سبحانه وتعالى. وهذه قيمة تربوية بالغة الأهمية لأن الإنسان مهما بلغ من القوة والقدرة والعلم، يظل محتاجًا إلى توفيق الله. قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾. وهكذا نتعلم أن الاعتراف بفضل الله ليس مجرد عبارة، بل هو من مكارم الأخلاق.
ومن مكارم الأخلاق التي تستحق أن نستحضرها في سيرته ﷺ أنه كقائد أعلي ونبي مرسل لم يتناول عن مبدأ الشورى.!!
فيقول الله تعالى مخاطبا نبيهﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، والنبي ﷺ كان يأتيه الوحي من السماء، ومع ذلك كانت الشورى جزءًا من منهجه؛ لأنها ليست مجرد وسيلة لاتخاذ القرار، وإنما قيمة وغاية في ذاتها، تعلّم الإنسان احترام الآخر والاستماع إلى الرأي المختلف.
ولذلك لفت نظري ما دعا إليه السيد الرئيس من مؤتمر موسع خلال شهر أكتوبر، يشارك فيه المثقفون والمفكرون والمتخصصون وأساتذة الجامعات، وتُطرح خلاله الموضوعات والتحديات بشفافية ومصداقية، بما يتيح مساحة حقيقية للنقاش والاستماع إلى الأفكار.
ومن أهم ما ينبغي أن ننتبه إليه أيضًا التفريق بين الدين والتدين. فالدين هو الوحي الذي أنزله الله، أما التدين فهو فهم الإنسان للدين وتطبيقه له. والدين كامل لا نقص فيه، أما التدين البشري فقد يصيبه الصواب والخطأ. ولذلك لا يجوز أن نحاكم الإسلام من خلال خطأ مسلم، ولا أن ننسب إلى الدين سلوكًا يناقض مقاصده. 
لقد دعا السيد الرئيس إلى أن نجعل ميلاد النبي ﷺ أسلوب حياة ومنهج تعامل، وهذه في تقديري هي الرسالة الأهم أن نخرج من الاحتفال بالنبي الكريم إلى الاقتداء بحياته الشريفة وأن ننتقل من المحبة إلى السلوك، ومن الذكر إلى العمل.
وهنا يأتي التأكيد على قيمة العمل وإتقانه؛ فالإسلام لم يجعل العبادة منفصلة عن عمارة الحياة، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
فكما نتقن صلاتنا وعبادتنا، ينبغي أن نتقن أعمالنا، ونحترم مواعيدنا، ونؤدي مسؤولياتنا، ونحسن إلى الناس.
وأظن أن من أراد أن يضع يده على بداية حقيقية لتجديد الخطاب الديني، فليبدأ من هذه المعاني: مكارم الأخلاق، وجبر الخواطر، ونصرة المظلوم، ونسبة الفضل إلى الله، والشورى، والتمييز بين الدين والتدين، وإتقان العمل.
فهذا هو التجديد الذي يحتاجه الناس؛ تجديدٌ يعيد للدين أثره في الإنسان، وللأخلاق أثرها في المجتمع، وللسيرة النبوية حضورها في تفاصيل حياتنا.

تم نسخ الرابط