أشرقت آفاق الكون بأنوار الهداية، وتفتحت للإنسانية أبواب جديدة من الرحمة والرجاء بمولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أطل على الدنيا خير من وطئت قدمه الثرى، وأكرم من حمل رسالة السماء، الرحمة المهداة، والسراج المنير، والنبي الذي بدد بنور الوحي ظلمات الجاهلية، وأحيا بالهداية قلوبًا أنهكها الضلال. كان مولده صلى الله عليه وسلم إيذانًا بفجر جديد، وإطلالة مباركة لرسالة غيرت وجه التاريخ، وأعادت للإنسان كرامته، وللعدل مكانته، وللرحمة حضورها في حياة الناس. ومن خلال المحاور التالية، نقف مع شمائله صلى الله عليه وسلم وقفة محب متأمل، نستحضر جمال خلقه، وسمو خصاله، وعظيم خصائصه، ونستنير من سيرته العطرة بما يوقظ في النفوس معاني الرحمة، ويعيد إلى القلوب دفء الأخلاق النبوية الكريمة.
فالرحمة جوهر رسالته صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. فهذه الآية الكريمة كاشفة عن حقيقة الرسالة المحمدية وجوهرها، ومبينة أن الرحمة لم تكن خلقًا عارضًا في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خصلة تظهر في بعض مواقفه ثم تغيب، وإنما كانت روح رسالته، وغاية بعثته، وأثرًا ممتدًا في كل ما جاء به من هدى وتشريع.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية: أَجميع العالم الذي أُرسل إليهم سيدنا محمد أُريد بها مؤمنهم وكافرهم؟ أم أُريد بها أهل الإيمان خاصة دون أهل الكفر؟ فقال بعضهم: عُني بها جميع العالم، المؤمن والكافر. وكما قال ابن عباس رضي الله عنهما: «من آمن بالله واليوم الآخر كُتبت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عُوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف». والمعنى أن الله رحم العالمين بإرسال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه جاءهم بالسعادة الكبرى، والنجاة من الشقاوة العظمى، ونالوا على يديه الخيرات الكثيرة في الآخرة والأولى، وعلمهم بعد الجهالة، وهداهم بعد الضلالة. فقد جاءت رحمته أوسع من أن تحدها دائرة أو يقيدها انتماء، فلم تكن لفئة دون أخرى، أو لقوم دون قوم، بل كانت رحمة للعالمين، شملت المؤمن والمخالف، والقريب والبعيد، والصغير والكبير، والصديق والعدو، وامتدت حتى إلى الحيوان وسائر المخلوقات.
فكان صلى الله عليه وسلم رحمة تمشي على الأرض بين الناس، يرق للضعيف، ويواسي الحزين، ويعطف على المحتاج، ويصفح عمن أساء، ويحرص على هداية من خالفه، حتى غدت الرحمة في سيرته منهجًا أصيلًا، لا موقفًا استثنائيًا. ولم تقف رحمته صلى الله عليه وسلم عند حدود المشاعر والعواطف، بل تحولت إلى منهج حياة متكامل، تجلى في أقواله وأفعاله، وفي عباداته ومعاملاته، وفي بيته ومجتمعه، وفي حال السلم والحرب، وفي تعامله مع أصحابه ومخالفيه، فكان يعلم الرحمة قولًا، ويجسدها فعلًا، ويغرسها في النفوس خلقًا وسلوكًا.
رحمته صلى الله عليه وسلم بأهل بيته وقرابته؛ فإن شفقته على المتصلين به لتبدو في معاملته لأهله من أزواج وأقارب، سواء أكانوا أقربين أم كانوا غير ذلك ممن لهم رحم موصولة. ولقد امتنع عنه النوم صلى الله عليه وسلم عندما أُسر عمه العباس بن عبد المطلب في غزوة بدر، فكان يبكي لأنينه. وهنا يبدو أمران يظهران متناقضين: أولهما: ألمه لأن عمه وحبيبه العباس قد أُسر، ويذوق مرارة الأسر، فيشفق عليه ويشتد الأسى عليه. وثانيهما: العدالة المقررة الثابتة التي تسوي بين الناس في النتائج إذا تساووا في الأسباب الموجبة لهذه النتائج المؤدية إليها.
رحمته صلى الله عليه وسلم بالأطفال والضعفاء؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم، على علو مكانته وعظيم شأنه، قريبًا من الصغار، يملأ قلوبهم أنسًا ومحبة، ويعاملهم بلطف وعطف يفيض رحمة وحنانًا. فكان يحمل الأطفال ويقبلهم ويداعبهم، كما فعل مع سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين رضي الله عنهما، بعناية ظاهرة، فيلاطفهما أمام أصحابه دون أن يرى في ذلك ما ينقص من هيبته ومكانته. وحين استنكر البعض تقبيله للصبيان، بيّن صلى الله عليه وسلم أن الرحمة هي التي تمنح القلب إنسانيته. كما في الحديث: «قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ». وستبقى هذه الكلمات ترسم منهج حياة في تربية النفوس على الرحمة.