كلُّ مولدٍ وأنتم بخير... إلا صاحبنا الذي قرَّر أن يوزِّع «المنع» على الناس!
لا أستطيع، بصراحة، أن أستوعب عقلية تابعي بعض التيارات الذين اختاروا ــ بكامل حريتهم ــ الرأي القائل بحرمة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
والأمر في ذاته لا يزعجني؛ من حقهم أن يقتنعوا بما يرونه من أدلة، ومن حق غيرهم أن يخالفهم بما يراه من أدلة أيضًا. هكذا يكون الخلاف الفقهي المحترم.
المشكلة تبدأ عندما يتحول «أنا لا أحتفل» إلى «إذن لا أحد يحتفل»!
يعني الرجل منهم اختار لنفسه رأيًا فقهيًا، ثم قرر ــ دون أن نعرف كيف حصل على هذا التفويض ــ أن يحوِّل اختياره الشخصي إلى لائحة ممنوعات عامة!
*أنت لا تجد واحدًا ممن يحتفلون بالمولد يقف على باب المسجد فيقول للناس:
«ممنوع تمشوا! تعالى يا حاج، هنحتفل بالمولد وتحتفل معانا بالعافية»!!
ولا تجدهم يطاردون من لا يريد الاحتفال، ولا يفتشون في البيوت عن الذين لم يشتروا حلاوة المولد.
لكن صاحبنا يفعل العكس تمامًا:
ينكر، ويعترض، ويحذِّر، ويكتب المنشورات، ويسجل المقاطع، ويشرح للناس أنهم ــ وهم يحتفلون بميلاد نبيهم ــ قد ارتكبوا منكرًا!
فإن استطاع أن يمنعك بالفعل منعك، وإن لم يستطع فباللسان، وإن لم يستطع فهذا لا يعني أنه استسلم؛ سيبقى على الأقل منكِرًا بقلبه، وذاك عنده أضعف الإيمان!
المشكلة في كلمة «بدعة»
يبدو أن كلمة «بدعة» عند بعض الناس أصبحت أشبه بزر الطوارئ:
بدعة!
فينتهى النقاش.
مع أن المسألة في التراث الفقهي والأصولي أكثر تعقيدًا من هذه الطريقة الساذجة في التفكير.
فالبدعة ــ باعتبارها أمرًا مستحدثًا ــ ليست بالضرورة مساوية للحرام في كل استعمالاتها عند العلماء، وقد عرف التراث الإسلامي تقسيمات للبدع إلى مذمومة ومحمودة، بل اشتهر عن عدد من العلماء الكلام على البدعة الحسنة.
خذ مثالًا قريبًا جدًا:
مسابقات حفظ القرآن الكريم التي تُقام اليوم، وتُرصد لها الجوائز المالية والعينية، وتُعلن في المساجد والمؤسسات والإعلام.
هل كان الصحابة يقيمون مسابقات للقرآن بهذا الشكل؟
هل كان التابعون يضعون جوائز مالية للفائز الأول والثاني والثالث؟
لا.
ومع ذلك لا يأتي أحد ــ في الغالب ــ ليقول:
«يا جماعة، هذه بدعة محرمة، أين مسابقة القرآن التي أقامها النبي؟ وأين الجائزة التي حددها للمتسابق الأول؟»
لأن العقل الفقهي السليم لا ينظر إلى مجرد حدوث الشيء بعد عصر النبوة باعتباره كافيًا وحده للحكم بالتحريم.
ثم نأتي إلى المولد
جاء المسلمون فخصَّصوا أيامًا للاحتفال بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاجتمعوا على تلاوة القرآن، والصلاة على النبي، وذكر سيرته، ومدحه، وإطعام الطعام، وإكرام الفقراء، وإظهار الفرح.
حتى «الشربات» دخلت على الخط، وأصبحت عند المصريين تحديدًا جزءًا من المشهد الشعبي للمولد!
فما المشكلة هنا تحديدًا؟
هل تلاوة القرآن حرام؟
هل الصلاة على النبي حرام؟
هل إطعام الطعام حرام؟
هل الصدقة حرام؟
هل دراسة السيرة حرام؟
هل مدح النبي حرام؟
هل الفرح بميلاد رسول الله حرام؟
إذا كانت هذه الأعمال في ذاتها مشروعة، فالنزاع الحقيقي يصبح في تخصيص وقت أو اجتماع معين لها، وهذه مسألة فقهية وأصولية قابلة للنقاش، وليست قضية محسومة بمجرد رفع بطاقة حمراء مكتوب عليها: «بدعة».
بل إن المحتفلين يمكن أن يفهموا اجتماعهم على المولد ضمن عمومات شرعية كثيرة، منها قوله تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾
وأيُّ أيام الله أولى بأن تُستحضر في وجدان المسلمين من الأيام المرتبطة بمولد نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم؟
وكذلك قوله تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
فإذا كان المسلم يرى أن أعظم فضل ورحمة وصلت إلى البشرية هي بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمن الطبيعي أن يرى في استحضار مولده وإظهار الفرح به صورة من صور شكر النعمة.
قد تختلف معه؟
طبعًا.
يمكنك أن تقول: هذه العمومات لا تدل على تخصيص يوم بعينه، أو أن الاجتماع بهذه الصورة لم يفعله السلف، أو أن الأولى تركه.
كل هذا نقاش فقهي محترم.
أما أن تتحول المسألة إلى:
«أنا لا أحتفل، إذن أنت ممنوع من الاحتفال!»
فهنا لم يعد الأمر بحثًا عن حكم شرعي بقدر ما أصبح محاولة لإدارة مشاعر الناس بالمزايدات!
والأطرف أن بعض هؤلاء يتعامل مع المولد وكأن المسلمين اخترعوا فيه عبادة جديدة اسمها «عبادة المولد»، بينما كثير من الاحتفالات في واقعها عبارة عن قرآن وذكر وصلاة على النبي ومدائح وسيرة وطعام وصدقة.
فإن كنت ترى أن اجتماع هذه المباحات والمستحبات في مناسبة معينة غير مشروع، فناقش هذا الدليل.
أما أن تقول:
كل هذا لم يفعله النبي!
فهذا وحده لا يكفي لإثبات التحريم؛ وإلا فالقائمة طويلة جدًا، ولن تنتهي عند المولد.
وفي النهاية، من حقك ألا تحتفل.
ومن حق غيرك أن يحتفل.
ومن حق الجميع أن يناقشوا المسألة بالدليل.
لكن ليس من حق أحد أن يضع نفسه حارسًا على فرحة المسلمين، فيوزع شهادات التوحيد على من يوافقه، وشهادات البدعة على من يخالفه!
كل مولد وأنتم بخير، ومحبةً وذكرًا وصلاةً وسلامًا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.