عاجل

أخطأ رجلٌ يومًا في الصلاة.
لم يكن خطؤه خفيًّا يمكن أن يمرّ دون أن يراه أحد، بل تكلّم وهو يصلّي مع رسول الله ﷺ، فردَّ على عاطس بقوله: يرحمك الله. فنظر إليه الصحابة مستنكرين، ولم يكن الرجل قد تعلّم الحكم بعد؛ فقد كان حديث عهد بالإسلام.
انتهت الصلاة، ولعل الرجل كان ينتظر عتابًا يوازي حجم الموقف. لكن الذي بقي في ذاكرته لم يكن قسوة التصحيح، وإنما جماله. قال معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، وهو يصف ما جرى بعد ذلك: «ما رأيت معلّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه»، ثم بيّن سر هذا الحكم العجيب: لم ينهره النبي ﷺ، ولم يضربه، ولم يشتمه، وإنما علّمه في هدوء ما ينبغي أن تكون عليه الصلاة. رواه مسلم.
تأمل أن الرجل نسي ـ أو لم يرو لنا ـ تفاصيل كثيرة ربما أحاطت بذلك اليوم، لكنه لم ينس كيف شعر وهو يتعلم.
وهنا، في تقديري، تكمن واحدة من أعمق الدروس التي يمكن أن نستعيدها في ذكرى مولد النبي ﷺ: أن التربية ليست مجرد نقل الصواب إلى الإنسان، وإنما هي الطريقة التي نأخذ بها يده من الخطأ إلى الصواب من غير أن نكسر شيئًا في داخله.
ولعلنا أحوج ما نكون إلى هذا الدرس اليوم.
ففي كثير من البيوت والمدارس ومجالس التعليم، ما زال هناك خلط خفي بين الحزم والقسوة، وبين هيبة المعلّم وإخافة المتعلّم، وبين تصحيح الخطأ وإهانة المخطئ. وقد يخرج الطفل من الموقف وقد عرف أن إجابته خطأ، لكنه تعلّم معها درسًا آخر لم يكن مقصودًا: أن السؤال مخاطرة، وأن الاعتراف بعدم الفهم يجرح الكرامة، وأن النجاة في الصمت.
وحين يتكرر ذلك، تكون الخسارة أكبر من إجابة خاطئة في درس.
إننا نصنع إنسانًا يخشى الخطأ أكثر مما يحب التعلّم.
وهذه واحدة من مشكلات التربية التي لا تعالجها زيادة المناهج ولا تحديث الكتب وحدهما؛ لأن المشكلة هنا ليست في ماذا نعلّم؟ بقدر ما هي في كيف نعامل الإنسان أثناء تعليمه؟
كان المنهج النبوي مختلفًا؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يرى أمامه «خطأ» يحتاج إلى الإزالة فحسب، وإنما كان يرى إنسانًا وراء الخطأ يحتاج إلى أن يُفهم ويُعلَّم ويُؤخذ بيده.
وهذا فارق جوهري.
فالمعلّم الذي لا يرى إلا الخطأ قد ينتصر للمعلومة ويخسر صاحبها، أما المربّي فيسعى إلى تصحيح الخطأ مع الاحتفاظ بالإنسان.
ولذلك يلفت النظر أن القرآن، وهو يصف جانبًا من علاقة النبي ﷺ بمن حوله، لم يجعل اللين وصفًا زائدًا على نجاح رسالته، بل قال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
وفي الآية معنى تربوي بالغ الدقة: أن صحة ما تحمله لا تعفيك من مسؤولية الطريقة التي تحمله بها إلى الناس.
قد يكون ما تقوله حقًّا، لكن الأسلوب الخاطئ قد يقيم جدارًا بين الإنسان وبين هذا الحق. وقد تكون المعلومة صحيحة، لكن إذلال المتعلّم أثناء تقديمها قد يجعله يكره الطريق إليها.
ومن هنا لم يكن رفق النبي ﷺ ضعفًا في المعايير، كما قد يتوهم بعض الناس. لم يكن يتسامح مع الخطأ بمعنى إقراره؛ فقد علّم الرجل أن الصلاة لا يصلح فيها كلام الناس. لكنه فعل شيئًا نحتاج إلى إعادة اكتشافه: فصل بين رفض الخطأ وإهانة المخطئ.
وهذه مهارة تربوية رفيعة.
فليس البديل عن العنف التربوي أن نترك أبناءنا وطلابنا بلا ضوابط، وليس معنى الرحمة أن تختفي المساءلة، كما أن الحزم لا يقتضي صوتًا مرتفعًا ولا وجهًا عابسًا. التربية النبوية تقدم طريقًا ثالثًا: وضوح في المعيار، وهدوء في التصحيح، ورحمة بالإنسان.
ولعل خطأنا المعاصر أننا ننفق وقتًا طويلًا في إعداد ما سيقوله المعلّم، ووقتًا أقل في إعداد المعلّم نفسه.
نحدّث المناهج، ونرقمن الكتب، ونضع الشاشات في الفصول، ونطوّر نظم الامتحانات، وهي أمور ضرورية؛ لكن التكنولوجيا تستطيع أن تنقل المعلومة، ولا تستطيع وحدها أن تمنح طالبًا خائفًا الأمان الذي يجعله يسأل. والمنهج الحديث يمكن أن يفشل في يد معلّم يهين المتعلم، بينما قد يفتح معلّم حكيم نافذة واسعة في عقل طفل بكلمة واحدة.
ولذلك كانت شهادة أنس بن مالك رضي الله عنه لافتة؛ فقد خدم النبي ﷺ عشر سنين، ثم اختصر خبرة عقد كامل بقوله إن رسول الله ﷺ لم يقل له «أفٍّ» قط، ولم يكن يلاحقه بالتقريع: لِمَ فعلت؟ وهلا فعلت؟ رواه مسلم.
عشر سنوات ليست موقفًا عابرًا يمكن تجميله، بل معاشرة يومية تكشف الطباع على حقيقتها.
وهنا ندرك أن الرحمة في التربية النبوية لم تكن «تقنية تواصل» يستخدمها المربي حين يريد نتيجة أفضل؛ كانت خلقًا أصيلًا ورؤيةً للإنسان.
ولهذا فإن الاحتفاء الحقيقي بالنبي المربّي في ذكرى مولده لا ينبغي أن يتوقف عند أن نقصّ على أبنائنا مواقفه، بل أن نسأل: هل يجدون شيئًا من طريقته فينا؟
هل يستطيع الابن أن يعترف بخطئه أمام أبيه دون أن يخشى الإهانة؟
وهل يستطيع الطالب أن يقول لمعلمه: «لم أفهم» دون أن يشعر أنه أعلن عن غبائه أمام زملائه؟
وهل نعلّم أبناءنا أن الخطأ مرحلة في طريق التعلم، أم نجعله وصمة تلاحق صاحبه؟
إن مدرسة النبي ﷺ لم تكن تنتج بشرًا لا يخطئون؛ فهذا مستحيل. لكنها كانت تصنع بشرًا لا يمنعهم خطؤهم من أن يصبحوا أفضل.
وهذا هو الفارق الذي يستحق أن نتوقف عنده طويلًا.
نحن لا نحتاج في ذكرى المولد إلى مزيد من الكلام عن مكانة النبي ﷺ بقدر حاجتنا إلى أن نستعيد شيئًا من أثره في تفاصيل حياتنا: في فصل دراسي، وفي بيت، وفي حوار مع شاب، وفي لحظة خطأ كان يمكن أن تتحول إلى لحظة إذلال فتحولت ـ بالاقتداء به ـ إلى لحظة بناء.
ربما ينسى المتعلم كثيرًا مما قلناه له، لكنه نادرًا ما ينسى كيف جعلناه يرى نفسه وهو يتعلم.
ومن هنا تبدأ التربية.
وفي يوم مولد أعظم من ربّى النفوس، لعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا ليس: كم نعرف من سيرته؟
بل:
كم إنسانًا خرج من بين أيدينا أكثر علمًا، وأشد استقامة، وأوفى كرامة؛ لأننا تعلّمنا منه كيف يكون المربّي؟

تم نسخ الرابط