عجيب أمر من قابل واقعة منطقة الشيخ زايد بالتعجب وكأنها حادثة استثنائية لا تشبه ما يحدث في الشوارع من حولنا. حادث قيام بعض الشباب باختطاف فتاة والتعدي عليها والتحرش بها ومحاولة اغتصابها وسرقة هاتفها داخل سيارة بلا لوحات، ليس الأول من نوعه في جرائم الشوارع، وإن كنا ندعو الله أن يكون الأخير. لكن، هل يكفي الدعاء هنا؟ الدعاء صورة من صور الشعور المجتمعي المتماسك، وهو واجب على كل صاحب عقيدة وضمير، لكن قبل الدعاء هناك واجب آخر؛ واجب يفرق بين ما يسمى فرض الكفاية وما يسمى فرض العين.
في هذه الواقعة، حضرت صورة من فرض الكفاية عندما قامت إحدى السيدات بتصوير بداية الواقعة، وساعدت في الوصول إلى الجناة والقبض عليهم. لكن في المقابل، غاب فرض العين عندما استغاثت الضحية، فلم تجد ممن شاهدوا الواقعة، أو انشغلوا بتصويرها، من يمد لها يد المساعدة ويحول دون وقوع الجريمة. وهنا تكمن القضية الحقيقية؛ فمنع الجريمة لا يعتمد فقط على وصول الشرطة بعد وقوعها، ولا على القبض على الجناة وتوقيع العقوبة عليهم. فالعقوبة رادع لا شك فيه، لكنها تأتي في إطار رد الفعل، أي بعد أن يكون ما حدث قد حدث بالفعل.
أما الردع الذي نحتاج إليه في الشارع، فهو أن يشعر مرتكب الجريمة بأن هناك من سيتدخل لمنعها، وأن المجتمع نفسه لن يقف متفرجًا على استغاثة إنسان. ليس مطلوبًا أن يكون في كل شارع ارتكاز أمني، ولا أن يتحول كل مواطن إلى رجل شرطة. لكن المطلوب أن يظل هناك رادع مجتمعي حاضر في الوعي، وأن يعرف من يغيب عقله للحظة أن الشارع ليس مكانًا مباحًا للجريمة، وأن هناك من سيقف في وجهه.
لقد وصلت جرائم الشوارع، بصورها المختلفة، إلى مرحلة تستوجب منا التوقف والتأمل، لكن الأهم من التوقف أمام تفاصيل كل واقعة هو أن نفهم دور كل فرد في المجتمع، وأن نفرق بين ما يمكن أن يقوم به غيرنا ولسنا ملزمين به، وهذا هو معنى فرض الكفاية، وبين ما يجب علينا القيام به عندما يصبح الأمر متعلقًا بإنقاذ إنسان أو دفع أذى عنه، وهذا هو معنى فرض العين. أن تجيب مستغيثًا ليست بطولة، وليست اختيارًا إذا كنت قادرًا على المساعدة دون أن تعرض نفسك لخطر محقق؛ إنها مسؤولية.
ولا يمكن أن نقلل، في الوقت نفسه، من أهمية تصوير الجرائم وتوثيقها ونشرها عبر الوسائل المتاحة. لكل زمن أدواته، وهذه واحدة من أدوات عصرنا، وقد تكون سببًا في كشف الجريمة والوصول إلى مرتكبيها. لكن التصوير لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن التدخل حين يكون التدخل ممكنًا وآمنًا. المشكلة ليست في أن نصور الجريمة، وإنما في أن نكتفي بالتصوير بينما إنسان يستغيث.
وهنا يأتي دور الوعي المجتمعي؛ أن يدرك كل فرد أن أمن المجتمع ليس مسؤولية جهة واحدة، وأن انتظار الآخرين ليقوموا بما يجب أن نقوم به نحن قد يجعل الجريمة تقع أمام أعيننا دون أن يتحرك أحد. الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام وكل مؤسسات المجتمع شركاء في بناء هذا الوعي. فالأمن لا يبدأ دائمًا من قسم الشرطة، وإنما يبدأ أيضًا من الشارع، ومن البيت، ومن المدرسة، ومن تربية الإنسان على أن للآخر حقًا عليه، وأن الاستغاثة مسؤولية لا يجوز تجاهلها.
نحن في حاجة إلى أن نستعيد فكرة «النخوة» بمعناها الإنساني، لا باعتبارها مجرد قيمة قديمة نتغنى بها، وإنما باعتبارها سلوكًا حاضرًا نمارسه عندما يحتاج إلينا إنسان. فلنحافظ، كشركاء، على أمن شوارعنا، ولنحفظ لأبنائنا حقهم في أن يعيشوا زمنهم في أمان. فأمن الأوطان لا يبدأ من حدودها فقط، وإنما يبدأ من داخلها. وأمن المجتمع من الداخل هو أحد أهم خطوط الدفاع عن الوطن، وربما يكون أول ما يستهدفه كل متآمر من الخارج.