عاجل

 يتم حاليا اعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي ولم تعد السياسات الاقتصادية التقليدية قادرة على تلبية طموحات الشعوب النامية ، وهذا الحراك لا ينفصل عن العمق الدبلوماسي والتاريخي الذي يربط القاهرة ونيودلهي وهي علاقة تمتد جذورها إلى مرحلة تأسيس "حركة عدم الانحياز" في خمسينيات القرن الماضي بقيادة الزعيمين جمال عبد الناصر وجواهر لال نهرو ويتجدد هذا الإرث السياسي في قالب عصري حيث تسعى الدولتان إلى تحويل الشراكة الاستراتيجية الثنائية إلى ركيزة أساسية لزيادة توازن النظام الدولي وتعزيز العدالة التنموية لدول الجنوب العالمي وتكتسب هذه التحركات زخمًا استثنائيًا مع استعداد الهند لتولي الرئاسة الدورية لتجمع "بريكس" في سبتمبر المقبل.
وتمثل الشراكة المصرية الهندية نموذجًا متطورًا لـ "الدبلوماسية متعددة الأطراف" التي لا تستهدف تحقيق مكاسب ثنائية بل تسعى إلى إيجاد بدائل للنظم المالية والسياسية المهيمنة وتتحرك الدولتان وفقًا لثوابت سياسية مشتركة تعزز مفهوم السيادة الوطنية وترفض سياسات الاستقطاب الدولي وتدعم إصلاح المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن لتعكس الواقع الجيوسياسي المعاصر.
وتتكامل الأدوار الدبلوماسية للبلدين بشكل استراتيجي فبينما تمثل الهند احدى القوى الاقتصادية والتكنولوجية في آسيا تشكل مصر عمقًا استراتيجيًا وهمزة وصل جغرافية وسياسية بين قارات العالم الثلاث (أفريقيا وآسيا وأوروبا) وهذا التناغم يمنح تجمع "بريكس" قدرة أكبر على صياغة مواقف تفاوضية موحدة في الملفات الدولية.
وتترجم الأرقام الحالية الإرادة السياسية المشتركة وإن كانت لا تزال دون طموحات بلدين يتجاوز عدد سكانهما 1.5 مليار نسمة ونعرض للمؤشرات الرقمية الحالية للتعاون كالتالي:
4.18 مليار دولار: الحجم الحالي للتبادل التجاري الثنائي بين مصر والهند مسجلاً معدل نمو سنوي يبلغ 12% .
53.5  مليار دولار: إجمالي حجم التجارة البينية بين مصر والدول الأعضاء في تجمع "بريكس" .
13.8 مليار دولار قيمة الصادرات المصرية إلى أسواق دول "بريكس" .
5 مليارات دولار اجمالي الاستثمارات الهندية المباشرة فى مصر وتقودها أكثر من 55 شركة هندية وتتوزع هذه الاستثمارات على قطاعات صناعية أبرزها قطاع الكيماويات والبتروكيماويات عبر مشروعات ضخمة مثل شركة "تي سي آي سانمار فضلًا عن قطاعات المنسوجات والملابس الجاهزة والأسمدة وصناعة مكونات السيارات.
وانتقالاً من الصناعات التقليدية إلى اقتصاد المستقبل ، تشهد العلاقات قفزة نوعية تقودها كبرى المجموعات الاستثمارية الهندية لضخ استثمارات استراتيجية ضخمة تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس .
وتهدف هذه المشروعات إلى توطين صناعات المستقبل وفي مقدمتها إنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء وتجميع وتصنيع السيارات الكهربائية ووسائل النقل النظيف ولا تستهدف هذه الاستثمارات تلبية الطلب المحلي فقط بل تسعى إلى تحويل مصر إلى مركز لوجستي وإقليمي متكامل لتصدير الطاقة النظيفة والمنتجات المتطورة إلى أسواق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا مستفيدة من البنية التحتية المتطورة والموقع الفريد لقناة السويس.
 هذا، وبهدف صياغة نموذج اقتصادي حديث بين البلدين يرتكز على الابتكار والتكنولوجيا نطرح عدد من البنود للانتقال الى اقتصاد المعرفة أهمها:-
1-منصة رقمية ذكية للتجارة الثنائية لربط الروبية الرقمية الهندية بالمنظومات الرقمية للبنك المركزي المصري وشبكة المدفوعات اللحظية المتقدمة مما يقلص الإجراءات البيروقراطية ويعزز السيولة التجارية.
2- انشاء منطقة تكنولوجية افتراضية حرة مدعومة بإطار تشريعي خاص ومستقل وتسمح هذه البيئة لشركات البرمجيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ومراكز البيانات في كلا البلدين بالعمل والاندماج ككيان رقمي موحد لتطوير حلول مبتكرة لخدمة المدن الذكية ونظم الري الرقمي وأدوات الشمول المالي وتصدير هذه المنتجات للأسواق النامية تحت رخصة "بريكس" موحدة.
3-استغلال الموقع الاستراتيجي لمصر على خطوط الملاحة والتجارة العالمية لإنشاء صوامع ومستودعات ضخمة لتخزين الحبوب والمنتجات الغذائية كمركز طوارئ لوجستي لتعزيز الأمن الغذائي لدول بريكس وشركائها في أفريقيا والشرق الأوسط خلال الأزمات الدولية.
4-أن يقوم الجانب الهندي بدراسة آليات منح صادرات الدول الأفريقية الى الهند مزايا جمركية وضريبية تفضيلية بما يدعم التكامل الإقليمي وذلك أسوة ببعض الدول الأخرى.
5- تأسيس مبادرة تجمع بريكس لعلاج الاختلالات التجارية عبر صياغة مبادرة مشتركة تحت مظلة تجمع بريكس للحد من العجز التجاري بين الدول الأعضاء وذلك عبر استراتيجية مزدوجة ترتكز على زيادة صادرات دول العجز وتحفيز الدول ذات الفائض التجاري على توجيه استثماراتها المباشرة إلى اقتصادات تلك الدول.
6- تشييد ممر الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة من خلال دمج المزايا الجغرافية لمصر وبنيتها التشريعية والقانونية المشجعة للاستثمار مع التكنولوجيا الهندية المتطورة مما يحقق توافقاً مع مستهدفات "بريكس" الخاصة بالتحول الأخضر ومكافحة التغير المناخي وتنسيق السياسات المالية والاعتماد على العملات المحلية لتفعيل استخدام الروبية الهندية والجنيه المصري في تسوية المعاملات التجارية المتبادلة.
7-تعظيم الاستفادة من بنك التنمية الجديد  التابع لتجمع بريكس من خلال تعزيز التنسيق المشترك بين وزارتي مالية البلدين والقطاع الخاص لطرح وتمويل مشروعات تنموية عابرة للحدود.

  وفى الختام ، فإن القوة الحقيقية لتجمع "بريكس" لا تقاس فقط بالقدرات الكلاسيكية كحجم الناتج المحلي الإجمالي أو المساحات الجغرافية بل تكمن في قدرة أعضائه على الابتكار المشترك وإيجاد بدائل مرنة للنماذج الاقتصادية السائدة ومع صياغة التوصيات النهائية لهذا الملف الاستراتيجي تبرز الحاجة الملحة للابتعاد عن الأطر التقليدية وتبني آليات "اقتصاد المعرفة" ويمتلك البلدان فرصة تاريخية لا تكرر لربط رأس المال والتكنولوجيا بالموقع الجغرافي الفريد والالتزام السياسي الصارم من خلال تشكيل مجموعات عمل مشتركة ووضع جداول زمنية محددة ودقيقة وإن تحويل هذه الأفكار المبتكرة إلى واقع ملموس لن يكون مجرد نجاح ثنائي بل سيمثل بداية لفصل جديد ومشرق في تاريخ التنمية والازدهار الاقتصادي والدبلوماسي للجنوب العالمي بأسره.

تم نسخ الرابط