عاجل

لم تعد بعض الأفراح مجرد مناسبة عائلية للاحتفال بزواج شاب وفتاة وبدء حياة جديدة، وإنما تحولت لدى البعض إلى سباق مفتوح نحو البذخ والاستعراض، وكأن قيمة الفرح أصبحت تقاس بحجم الإنفاق، وعدد المدعوين، وفخامة القاعة، والسيارات الفارهة، وأشهر المطربين، وما يُنشر على صفحات التواصل الاجتماعي من صور ومقاطع فيديو تستعرض تفاصيل ليلة ربما تتكلف أرقامًا خيالية.

والسؤال هنا ليس اعتراضًا على فرحة الناس، ولا دعوة إلى إلغاء مظاهر الاحتفال، فلكل إنسان الحق في أن يفرح بأبنائه، وأن يقيم المناسبة التي تناسبه، وإنما السؤال الحقيقي: لماذا كل هذا البذخ؟ وهل أصبحت السعادة تحتاج إلى كل هذه الملايين والمظاهر حتى تكتمل؟

الأفراح يمكن أن تكون جميلة وراقية ومبهجة دون أن تتحول إلى استعراض للثروة. ويمكن أن تليق بالعروسين وأسرتيهما دون إنفاق مبالغ كان من الممكن أن تكون بداية حقيقية لحياة زوجية مستقرة، أو سندًا لأسرة تحتاج إلى المساعدة، أو مساهمة في علاج مريض، أو تعليم طالب، أو توفير احتياجات أسرة من الأسر الأولى بالرعاية.

والأكثر إثارة للتساؤل أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة لعرض هذه المظاهر على نطاق واسع، فتتحول بعض الأفراح إلى ما يشبه المنافسة: من يقيم الحفل الأكثر فخامة؟ ومن يستعين بأغلى المطربين؟ ومن يملك السيارات الأكثر تميزًا؟ ومن يستطيع أن يجعل ليلة زفافه حديث الناس؟ ثم تبدأ المقارنات، ويشعر آخرون بأن عليهم تقليد هذا المستوى، حتى لو تجاوز قدراتهم وإمكاناتهم.

واللافت أيضًا أننا نشاهد أحيانًا أشخاصًا ظهروا فجأة في دائرة الضوء، ويقيمون أفراحًا أسطورية بتكاليف يصعب تصورها، وهنا يبرز سؤال مشروع لا يحمل اتهامًا لأحد: من أين يأتي كل هذا الإنفاق؟ ولماذا لا تكون الفرحة في حدود ما يليق بأصحابها وإمكاناتهم، بعيدًا عن المظاهر التي تستنزف الأموال؟

وفي المقابل، كثيرًا ما نسمع في المناسبات المختلفة حديثًا عن دعم الأسر الأولى بالرعاية، ومساندة القرى الفقيرة، وتحسين الخدمات، ومد يد العون للمحتاجين. ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا لو تم توجيه جزء من هذه الأموال الضخمة إلى تلك الفئات؟ كم أسرة يمكن أن تتغير حياتها؟ وكم طالبًا يمكن أن يستكمل تعليمه؟ وكم مريضًا يمكن أن يحصل على العلاج؟ وكم بيتًا يمكن أن يجد فرصة حقيقية للخروج من دائرة الاحتياج؟

لسنا ضد الفرح، بل ضد أن يتحول الفرح إلى استعراض، وأن تصبح المظاهر هدفًا في حد ذاتها. فالزواج في النهاية ليس ليلة واحدة، وإنما حياة كاملة تحتاج إلى بيت، واستقرار، ومسؤولية، ورحمة ومودة.

الفرح الحقيقي ليس في تكلفة ليلة، وإنما في قيمة حياة تبدأ بعدها. وكلما كان الاحتفال متوازنًا، كانت الفرحة أكثر احترامًا للعقل والمجتمع، وأكثر قدرة على أن تترك أثرًا جميلًا يتجاوز ساعات الاحتفال إلى سنوات من الخير والعطاء.

تم نسخ الرابط