لم تعد الدول كما في الحروب السابقة تُستهدف بالأسلحة وحدها، ولم تعد محاولات إضعافها تحتاج بالضرورة إلى جيوش تعبر الحدود أو طائرات تحلق في سمائها، فقد انتقلت مساحة واسعة من الصراع إلى عالم آخر لا تُرى فيه الجبهات بالعين، ولا تُسمع فيه أصوات المدافع، وإنما تتحرك فيه الشائعات والمعلومات المضللة والحسابات الوهمية، وتُخاض معاركه عبر شاشات الهواتف وأجهزة الحاسوب، ويصبح الهدف في كثير من الأحيان هو الإنسان نفسه، ووعيه، وثقته في دولته ومؤسساتها ومستقبل بلاده، وفي هذا السياق تكتسب الإحصائية التي تشير إلى وجود 44 ألفًا و823 حسابًا وهميًا تُدار من منطقة وسط آسيا، وتتركز أنشطتها في الهجوم على الدولة المصرية ومشروعاتها أهمية تتجاوز الرقم ذاته، لأن هذا العدد الكبير يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذه الحسابات، والجهات التي تديرها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، وما إذا كان الأمر يتعلق بحالات فردية متفرقة، أم بشبكات منظمة تعمل وفق رسائل محددة وتتحرك في اتجاه واحد.
لا يعني ذلك بطبيعة الحال أن كل انتقاد للدولة المصرية يمكن وضعه في إطار هذه الحملات، فالنقد حق أصيل، والاختلاف في الرأي أمر طبيعي، بل إن الدولة القوية هي التي تستطيع أن تستوعب النقد وتستفيد من الملاحظات الجادة، لكن هناك فارقًا واضحًا بين النقد الذي يستهدف تصحيح السياسات، وبين حملات منظمة تسعى إلى صناعة حالة عامة من التشكيك، وتقديم صورة سلبية عن الدولة ومؤسساتها ومشروعاتها، باستخدام حسابات وهمية وأسماء غير حقيقية ومحتوى يعاد إنتاجه وتدويره بصورة آلية، وهنا تصبح القضية المصرية أكثر وضوحًا، لأن مصر ليست دولة عادية في محيطها العربي والإفريقي والشرق أوسطي، وإنما دولة ذات ثقل سياسي واستراتيجي كبير، وأي محاولة لإرباك الداخل المصري أو ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن تأثيرها في موقع مصر ودورها الإقليمي، ولذلك فإن معركة الوعي ليست قضية إعلامية أو إلكترونية فحسب، وإنما أصبحت جزءًا من مفهوم الأمن القومي المصري بمعناه الأوسع.
تكمن خطورة هذه الحملات في أنها لا تحتاج دائمًا إلى اختلاق قصة كاملة ، فقد يكون المطلوب فقط اقتطاع جزء من الحقيقة، أو إخراج رقم من سياقه، أو إعادة نشر صورة قديمة باعتبارها حدثًا جديدًا، أو تحويل مشكلة محدودة إلى عنوان لأزمة عامة، ثم تكرار الرسالة نفسها مئات أو آلاف المرات، حتى يشعر المتلقي بأن ما يراه أمامه ليس حملة منظمة، وإنما اتجاه عام داخل المجتمع، وهذه واحدة من أخطر أدوات التأثير الرقمي، لأن كثرة التكرار تمنح المعلومة الكاذبة إيحاءً بالحقيقة، وقد تجعل المواطن يواجه عشرات المنشورات التي تحمل الرسالة نفسها في أوقات متقاربة، فيتولد لديه انطباع بأن الجميع يتحدثون عن القضية ذاتها، وأن هناك غضبًا عامًا واسعًا، بينما قد يكون مصدر هذا المحتوى عددًا من الحسابات التي تعمل بصورة منظمة على ضخ معلومات مضللة على مدار الساعة، والهدف في هذه الحالة ليس بالضرورة أن يصدق المواطن كل ما يقرأه، وإنما أن يصل إلى مرحلة لا يعرف فيها ماذا يصدق، وهذه أخطر بكثير، لأن المواطن الذي يشك في خبر واحد يستطيع أن يبحث عن الحقيقة، أما المواطن الذي يفقد ثقته في جميع المصادر، ويصبح مقتنعًا بأن الجميع يكذبون، فإنه يصبح أكثر قابلية لتصديق أي رواية تقدم له بطريقة أكثر إثارة وغضبًا.
وهنا تجد مصر نفسها أمام واحدة من أكثر مراحل الصراع الإعلامي تعقيدًا، مع الاتساع الهائل في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وقدرتها المتزايدة على تشكيل اتجاهات الرأي العام والتأثير في طريقة تلقي الأحداث وتفسيرها، بالتزامن مع التطور المتسارع في أدوات الذكاء الاصطناعي التي باتت قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية شديدة الإقناع، يصعب على المتلقي العادي التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي، وهو ما يفتح مجالًا أوسع لانتشار التضليل والتلاعب بالمعلومات، ويجعل مواجهة هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة بين الإعلام المصري، والمؤسسات المعنية، والمنصات الرقمية، والمواطن الذي أصبح شريكًا أساسيًا في حماية المجال العام من العبث بالمعلومات.
وشهدت مصر خلال السنوات الأخيرة، في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تنفيذًا واسعًا لمشروعات امتدت إلى الطرق وشبكات النقل والطاقة والموانئ والمدن الجديدة والبنية الأساسية، وهي مشروعات أعادت تشكيل قطاعات مهمة من الاقتصاد والخدمات والعمران، ورفعت من قدرة الدولة على توفير بنية أساسية أكثر كفاءة، وعززت جاهزية مصر لمواجهة متطلبات التنمية خلال السنوات المقبلة، ومن الطبيعي أن تخضع هذه المشروعات للتقييم والمراجعة، وأن يناقش المصريون تكلفتها وجدواها والعائد المتوقع منها، فهذا حق أصيل في المجال العام، كما أن من واجب الصحافة أن تتابع هذه المشروعات وتقدم المعلومات الدقيقة حولها، لكن الإنصاف يقتضي ألا تختزل تجربة بهذا الحجم في خطاب يستهدف التقليل من قيمتها أو التشكيك في جدواها، وألا يتحول الاختلاف في الرأي إلى محاولة ممنهجة لتقديم كل مشروع باعتباره فشلًا، وكل إنفاق باعتباره إهدارًا، وكل إنجاز باعتباره دعاية، لأن تقييم تجربة وطنية بهذا الاتساع ينبغي أن يستند إلى الأرقام والنتائج والحقائق، لا إلى الانطباعات أو حملات التشويه التي تسعى إلى حجب الصورة الكاملة عما تحقق على أرض الواقع.
الدولة المصرية لا تحتاج إلى إعلام يضع نفسه في مواجهة النقد أو يسعى إلى إسكات الاختلاف، وإنما تحتاج إلى إعلام مهني يعرف أن حماية الحقيقة لا تكون بمنع الأسئلة، بل بالإجابة عنها، وأن بناء الثقة لا يتحقق بتقديم صورة مثالية خالية من التفاصيل، وإنما بوضع المعلومات أمام المواطن كاملة وواضحة، فحين يمتلك المواطن المعلومة يستطيع أن يشكل رأيه بنفسه، ويصبح أقل قابلية للانقياد وراء رواية مجهولة المصدر أو شائعة مصممة بعناية، أما حين تتأخر المعلومة أو تغيب الأرقام أو تترك الأسئلة بلا إجابات، فإن الفراغ الذي ينشأ لا يظل فارغًا طويلًا، بل سرعان ما تملؤه روايات أخرى، وقد تكون أكثر إثارة وانتشارًا وأبعد ما تكون عن الحقيقة، ولذلك فإن سرعة إتاحة المعلومات، وشرح القرارات، وتقديم الأرقام والحقائق بلغة يفهمها الناس، ليست مجرد ممارسة إعلامية، وإنما أصبحت جزءًا من حماية الوعي المصري ومنع الآخرين من احتكار تفسير ما يجري داخل الدولة.
ومن هنا فإن مواجهة الحسابات الوهمية لا ينبغي أن تتحول إلى معركة مع كل صوت مختلف، لأن ذلك سيكون خطأً سياسيًا وإعلاميًا، كما أن كل معارض أو ناقد لا يمكن وضعه في خانة واحدة مع شبكة إلكترونية منظمة تعمل من الخارج، فالفصل بين المعارضة الوطنية والتضليل الموجه ضرورة أساسية، وإلا تحولت المعركة من حماية الوعي إلى تضييق مساحة الاختلاف، وهو ما لا يخدم الدولة ولا المجتمع.
المواجهة الحقيقية تبدأ من امتلاك الحقيقة، ومن سرعة تقديمها، ومن توفير المعلومات التي يحتاج إليها المواطن، ومن وجود إعلام قادر على الاعتراف بالمشكلة عندما تقع، وشرح أسبابها، ومناقشة الحلول، وليس فقط الاحتفاء بالنجاحات، لأن الثقة لا تُبنى بإخفاء نقاط الضعف، وإنما بالقدرة على التعامل معها بشجاعة ووضوح.
وفي الحالة المصرية تحديدًا، فإن بناء الثقة بين الدولة والمواطن يظل أقوى وسيلة لمواجهة أي حملة خارجية، فالمواطن الذي يرى أن الدولة تشرح له قراراتها، وتقدم له بياناتها، وتستمع إلى أسئلته، وتتعامل مع المشكلات بوضوح، يكون أكثر قدرة على التمييز بين النقد الحقيقي وبين الحملات الموجهة، وأكثر حصانة أمام الحسابات المجهولة التي تريد أن تقدم له صورة سوداء عن كل شيء.
لقد تغير مفهوم الحرب، وأصبح الفضاء الإلكتروني جزءًا من ميادين الصراع بين الدول، ولم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لحماية الدولة، فهناك أمن المعلومات، والأمن السيبراني، والأمن الاقتصادي، والأمن المجتمعي، والأهم من ذلك كله أمن الوعي، لأن الدولة التي تستطيع حماية حدودها لكنها تفشل في حماية وعي مواطنيها تظل معرضة لنوع آخر من الاختراق.
ولذلك فإن رقم 44 ألفًا و823 حسابًا وهميًا ينبغي أن يدفع إلى قراءة أعمق للظاهرة، لا إلى الاكتفاء بالاحتفال بكشفها، فالمطلوب ليس فقط معرفة عدد الحسابات التي جرى رصدها، وإنما معرفة طبيعة الشبكات التي تقف وراءها، وأنماط عملها، ومصادر تمويلها، وآليات انتشار رسائلها، ومدى وصولها وتأثيرها، والأهم هو أن تصل هذه المعلومات إلى الرأي العام بصورة واضحة، حتى يعرف المصريون كيف تعمل هذه الأدوات وكيف يمكن مواجهتها.
إن المعركة في النهاية ليست مع حسابات على منصة إلكترونية، وإنما مع محاولة التأثير في إدراك المصريين لما يحدث حولهم، وإذا كانت بعض الأطراف تراهن على إمكانية هزيمة الدولة المصرية من الداخل عبر إضعاف الثقة وتشويه الإنجازات وتضخيم الأزمات، فإن الرهان المقابل يجب أن يكون على وعي المصري، وعلى قدرته التاريخية على التمييز بين الاختلاف الحقيقي وبين الاستهداف، وبين النقد الذي يريد إصلاحًا وبين التضليل الذي يريد هدمًا.
مصر مرت عبر تاريخها الحديث بأزمات وحروب ومنعطفات تاريخية كبرى، ولم تكن قوتها في كل مرة نابعة من السلاح وحده، وإنما من قدرة مجتمعها على تجاوز الأزمات والحفاظ على تماسكه، ولذلك فإن حماية الوعي المصري اليوم لا تعني أن نمنع المصري من الاختلاف أو النقد، وإنما أن نمنحه الأدوات التي تجعله قادرًا على اكتشاف من يحاول التلاعب به.
فالمواطن الذي يتحقق قبل أن يشارك، ويسأل عن مصدر المعلومة، ويميز بين الخبر والرأي، ويرفض أن يكون أداة في نشر شائعة، يصبح في حد ذاته خط دفاع عن بلده، والإعلام الذي يقدم الحقيقة كاملة، حتى عندما تكون غير مريحة، يصبح شريكًا في حماية الدولة، والمؤسسات التي تتحدث بوضوح وتقدم المعلومات في الوقت المناسب تقلل من المساحات التي يمكن أن تتحرك فيها حملات التضليل.
في النهاية، أخطر ما يمكن أن تستهدفه أي حرب رقمية ليس مشروعًا أو مؤسسة، وإنما الثقة، فإذا نجحت تلك الحملات في إقناع المواطن بأن كل ما حوله كذب، وأن كل إنجاز وهم، وأن كل أزمة كارثة، وأن المستقبل مغلق، فإنها تكون قد حققت جزءًا مهمًا من هدفها دون أن تطلق رصاصة واحدة.
أما إذا ظل المواطن المصري قادرًا على السؤال والتحقق والتفكير، وظلت الدولة قادرة على تقديم المعلومات بشفافية، وظل الإعلام قادرًا على ممارسة دوره بمهنية واستقلالية، فإن آلاف الحسابات الوهمية، مهما بلغ عددها، ستظل مجرد ضجيج رقمي لا يستطيع أن يهزم دولة من الداخل.
لأن مصر لا تُحمى فقط بالحدود والجيش ومؤسسات الدولة، وإنما تُحمى أيضًا بعقل مواطن يعرف الحقيقة، وبمجتمع يملك القدرة على التمييز، وبوعي لا تسمح الشائعات بأن يصبح ساحة مفتوحة لمن يريد أن يخوض حربه ضد مصر من خلف شاشة.