عاجل

«النبذ الاقتصادي».. هل تنجح العقوبات على إيران فيما عجزت عنه الحرب؟

أرشيفية
أرشيفية

دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، مع انتقال واشنطن إلى تصعيد اقتصادي واسع تراهن من خلاله إدارة الرئيس دونالد ترامب على تحقيق ما لم تتمكن القوة العسكرية من حسمه خلال نحو ستة أشهر من الصراع.

وكشف وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، أمس الاثنين، تفاصيل عملية أطلقت عليها الإدارة اسم «النبذ الاقتصادي»، وقدمها باعتبارها حملة غير مسبوقة تستهدف تقطيع أوصال إيران المالية حول العالم، وعزلها عن النظام الاقتصادي الدولي، وصولًا إلى إرغام طهران على الاستجابة للمطالب الأمريكية، وفي مقدمتها إعادة فتح مضيق هرمز.

وقارن بيسنت العملية بعمليات الإنزال في نورماندي عام 1944، التي مثلت نقطة تحول حاسمة في الحرب العالمية الثانية، في إشارة إلى الرهان الأمريكي على أن تؤدي الإجراءات الاقتصادية الجديدة إلى تغيير مسار المواجهة مع إيران.

ولم تقتصر تهديدات وزير الخزانة الأمريكي على طهران، إذ أعلن تسريع آلية رصد وتتبع الجهات التي تتعامل ماليًا مع إيران، محذرًا أي دولة أو مؤسسة أو جهة تواصل علاقاتها الاقتصادية مع طهران من مواجهة عقوبات أمريكية وعزلة اقتصادية، وصولًا إلى خطر فقدان القدرة على التعامل ضمن منظومة الدولار.

من الحرب إلى «سلاح العقوبات»

وتأتي الخطوة الأمريكية بعد نحو ستة أشهر من اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بعدما راهنت واشنطن وتل أبيب في بداية الصراع على تحقيق أهدافهما خلال فترة قصيرة.

وكانت الحسابات الأولية تستند إلى إمكانية انهيار النظام الإيراني أو دفعه إلى تقديم تنازلات جوهرية، بينها التخلي عن تخصيب اليورانيوم وأجزاء رئيسية من برنامجه النووي، إلا أن تلك التوقعات تبددت مع استمرار المواجهة وعدم تحقيق الحسم المنتظر.

وخلال الأشهر الماضية، مر الصراع بمراحل متعددة، ارتفعت خلالها حدة التهديدات الأمريكية، مع التلويح مرارًا بإمكانية تصعيد العمليات العسكرية بهدف إجبار إيران على القبول بالمطالب الأمريكية.

وفي الوقت نفسه، لم تقتصر استراتيجية واشنطن على الخيار العسكري، إذ فرضت الإدارة الأمريكية حزمًا متتالية من العقوبات استهدفت أفرادًا وكيانات إيرانية، بالتزامن مع إجراءات بحرية هدفت إلى الحد من قدرة طهران على تصدير النفط.

ومع استمرار الصراع دون تحقيق النتائج التي كانت واشنطن تأملها، تعود إدارة ترامب بقوة إلى العقوبات الاقتصادية، مع التهديد بتوسيع نطاقها وتشديدها بهدف زيادة الضغوط على الاقتصاد الإيراني وإرغام النظام على تقديم تنازلات.

لكن هذه الاستراتيجية تثير تساؤلات بشأن قدرتها على تحقيق نتيجة عجزت عنها القوة العسكرية، خصوصًا أن إيران واجهت على مدى سنوات طويلة منظومة واسعة من العقوبات والضغوط الاقتصادية دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار نظامها.

واشنطن تحاول تحقيق ما عجزت عنه القوة العسكرية

ونقلت صحيفة «الجارديان» البريطانية عن سينا توسي، الزميل البارز غير المقيم في مركز السياسة الدولية، قوله إن واشنطن، بعد نحو ستة أشهر من دون تحقيق انتصار عسكري أو دبلوماسي، تبدو وكأنها تحاول عبر تشديد الخناق الاقتصادي تحقيق ما فشلت القوة العسكرية في الوصول إليه حتى الآن.

وأضاف توسي أن طهران تتعامل مع هذا النهج الأمريكي القائم على تحقيق «المكسب الخالص» من خلال تبني نهج مماثل، ما ينذر باستمرار المواجهة بدلًا من إنهائها.

وتتزامن الضغوط الاقتصادية الجديدة مع جدل داخل إيران بشأن طبيعة التنازلات التي يمكن قبولها لإنهاء الحرب، في وقت تتزايد فيه الضغوط الشعبية الناتجة عن تدهور الأوضاع الاقتصادية.

وبحسب مركز صوفان للحوار الاستراتيجي، فإن استمرار الضغوط قد يزيد احتمالات اتجاه التيار المتشدد داخل الحرس الثوري الإيراني إلى تنفيذ تهديداته بالتصعيد العسكري ضد دول الخليج وحلفاء آخرين للولايات المتحدة.

هل تنجح العقوبات في تغيير حسابات طهران؟

يرى مركز صوفان أن تأثير الإجراءات الأمريكية الجديدة قد يكون محدودًا، بالنظر إلى أن العقوبات الحالية أغلقت بالفعل إلى حد كبير الطريق أمام البنوك الإيرانية للوصول إلى النظام المالي العالمي، كما قلصت عدد المشترين الدوليين للنفط الإيراني والمنتجات الأخرى.

وأشار المركز إلى أنه «ليس من الواضح إلى أي مدى ستشكل الإجراءات الأمريكية الجديدة ضغطًا ملموسًا على النظام»، خصوصًا أن إيران واجهت نحو عقدين من سياسات «الضغط الأقصى» القائمة على العقوبات.

ويشكك عدد من الخبراء، بحسب المركز، في أن يؤدي تشديد الإجراءات الاقتصادية إلى انهيار النظام الإيراني، الذي تمكن من الصمود أمام موجات متعاقبة من العقوبات والضغوط.

وبالتالي، فإن التحدي أمام واشنطن لا يتعلق فقط بقدرتها على فرض عقوبات جديدة، وإنما بمدى قدرتها على تحويل هذه العقوبات إلى ضغط فعلي يغير حسابات القيادة الإيرانية ويدفعها إلى تقديم التنازلات المطلوبة.

مضيق هرمز في قلب المواجهة

وبالتوازي مع الإجراءات الاقتصادية، يظل مضيق هرمز محورًا رئيسيًا في الصراع، نظرًا إلى أهميته بالنسبة لتدفقات الطاقة العالمية وارتباطه المباشر بقدرة إيران على التأثير في حركة الملاحة الدولية.

وبحسب مركز صوفان، يقر خبراء في قطاع الطاقة ومسؤولون إيرانيون بأن البحرية الأمريكية تحقق نجاحًا متزايدًا في مرافقة الناقلات التجارية عبر المضيق، وهو ما ساهم في تقليص جزء من النفوذ الإيراني على هذا الممر المائي.

لكن صادرات الطاقة عبر المضيق لا تزال، وفق المركز، أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، كما تظل حركة الملاحة عرضة للتأثر بأي تصعيد إيراني جديد.

وتسعى واشنطن، من خلال الضغط الاقتصادي والتحركات البحرية، إلى دفع طهران إلى إعادة فتح المضيق بصورة كاملة، في وقت تستخدم فيه إيران ورقة الملاحة والطاقة باعتبارها إحدى أهم أدوات الضغط المتاحة لها في مواجهة الولايات المتحدة.

الصين.. شريان طهران المالي

وتبرز الصين باعتبارها الحلقة الأكثر أهمية في قدرة إيران على الحفاظ على صادراتها النفطية، إذ تستورد بكين نحو 90% من النفط الإيراني، وفق المعطيات الواردة في التقرير.

إلا أن الحصار البحري أدى إلى توقف هذه الصادرات بصورة كاملة، ما يجعل الصين في قلب المعادلة الاقتصادية الجديدة التي تحاول واشنطن فرضها على طهران.

ويرجح محللون أن تتعامل إدارة ترمب بحذر مع الإجراءات التي تستهدف المصالح الصينية، خصوصًا مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى واشنطن في أواخر الشهر المقبل.

وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية بالفعل عقوبات على عدد من مصافي التكرير الصينية المستقلة التي تتعامل مع النفط الإيراني، لكنها تجنبت حتى الآن اتخاذ خطوات يمكن أن تؤدي إلى مواجهة مباشرة مع بكين، وعلى رأسها فرض عقوبات على البنوك الصينية الكبرى التي تمول هذه التجارة.

وتعارض الصين سياسة العقوبات والضغوط الأمريكية، معتبرة أنها لن تساعد في حل الأزمة، ودعت جميع الأطراف إلى اتخاذ «تدابير مسؤولة».

في المقابل، هددت واشنطن بفرض عقوبات قاسية على أي دولة أو كيان يواصل علاقاته الاقتصادية مع إيران، ما يضع الشركات والمؤسسات المالية الدولية أمام خطر التعرض للعقوبات الأمريكية إذا واصلت التعامل مع طهران.

اختبار جديد للعلاقة مع بكين

ورغم لهجة واشنطن التصعيدية، لا يزال من غير الواضح مدى استعداد إدارة ترمب للمضي بعيدًا في مواجهة الصين بسبب تعاملاتها مع إيران، وفق «الغارديان».

ففرض عقوبات على المؤسسات المالية الصينية الكبرى قد يفتح جبهة اقتصادية جديدة مع بكين، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إدارة ملفات تجارية واستراتيجية متعددة مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

ومن ثم، فإن نجاح استراتيجية «النبذ الاقتصادي» لن يتوقف فقط على الإجراءات التي يمكن أن تفرضها واشنطن على إيران، وإنما أيضًا على مدى استعدادها لمواجهة الدول التي توفر لطهران قنوات اقتصادية بديلة، وعلى رأسها الصين.

«يوم النصر الاقتصادي»

ومع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، تراهن واشنطن على أن يؤدي تشديد العقوبات وتوسيع نطاق العزلة الاقتصادية إلى إحداث الضغط الذي لم تتمكن العمليات العسكرية من تحقيقه.

واحتفت الإدارة الأمريكية بإطلاق الاستراتيجية الجديدة، ووصفتها بـ«يوم النصر الاقتصادي»، في رسالة تعكس حجم الرهان على قدرة العقوبات في تغيير مسار المواجهة.

في المقابل، تتوعد طهران بالرد على أي دولة تشارك في جهود عزلها اقتصاديًا، وتندد بما تصفه بـ«الإرهاب الاقتصادي» الذي تقوده الولايات المتحدة.

وبينما تراهن واشنطن على العقوبات والعزلة المالية لإجبار إيران على تقديم تنازلات وإعادة فتح مضيق هرمز، تراهن طهران على قدرتها على الصمود وامتلاك أوراق ضغط عسكرية واقتصادية يمكن استخدامها في مواجهة خصومها.

تم نسخ الرابط