بين الصداع والاسترخاء.. لماذا تختلف استجابتنا للروائح؟
تشعر براحة مفاجئة عند مرورك بجوار رائحة معينة، بينما قد تثير الرائحة نفسها شعورًا بالنفور أو حتى الصداع لدى شخص آخر، ولا يأتي هذا الاختلاف من فراغ، بل يرتبط بالطريقة التي يعالج بها الدماغ الروائح ويربطها بالذكريات والمشاعر والتجارب السابقة.
و ترتبط حاسة الشم بشكل مباشر بمناطق في الدماغ مسؤولة عن الذاكرة والانفعالات، وهو ما يفسر اختلاف تأثير الرائحة نفسها من شخص إلى آخر.
الرائحة بوابة إلى الذاكرة
عند استنشاق رائحة معينة، تلتقط المستقبلات الموجودة في الأنف جزيئاتها وترسل إشارات إلى الدماغ.
ولا يتعامل الدماغ مع الرائحة باعتبارها مجرد محفز حسي، بل يمكن أن يربطها سريعًا بذكريات قديمة أو مشاعر محددة.

فعلى سبيل المثال، قد تعيد رائحة الياسمين شخصًا إلى منزل جدته أو حديقة ارتبطت بذكريات طفولته، بينما لا تحمل الرائحة نفسها أي معنى خاص لشخص آخر.
وينطبق الأمر كذلك على روائح القهوة والخبز والتوابل، التي قد تمنح البعض إحساسًا بالدفء والراحة، بينما ترتبط لدى آخرين بتجارب أو مواقف سلبية.
التجارب تحدد الانطباع
تلعب التجارب والذكريات السابقة دورًا أساسيًا في تحديد ما إذا كانت رائحة معينة ستكون محببة أو مزعجة.
فإذا ارتبطت رائحة خشب الصندل، على سبيل المثال، بمناسبات عائلية سعيدة، فقد تظل مصدرًا للراحة حتى بعد مرور سنوات، أما إذا ارتبطت بتجربة صعبة أو موقف غير سار، فقد تثير شعورًا معاكسًا.
ولهذا لا يمكن اعتبار رائحة معينة مهدئة لجميع الأشخاص، رغم ارتباط روائح مثل اللافندر والورد والحمضيات لدى البعض بالاسترخاء أو الانتعاش.

اختلاف حساسية الشم
لا يتمتع جميع الأشخاص بدرجة الحساسية نفسها تجاه الروائح، إذ يمتلك البعض حاسة شم أكثر قوة تجعلهم قادرين على ملاحظة روائح قد لا ينتبه إليها الآخرون.
وقد تتحول رائحة عطرية لطيفة بالنسبة لشخص إلى مصدر إزعاج لشخص آخر، خاصة عندما تكون شديدة التركيز أو داخل مكان مغلق وضعيف التهوية.
كما تؤثر قوة الرائحة وتركيزها وطبيعة المكان المحيط في كيفية استقبالها.
كيف يتغير تأثير الرائحة؟
لا تعتمد استجابة الدماغ للروائح على الذكريات فقط، بل تتأثر أيضًا بالعادات والتوقعات.
فعلى سبيل المثال، إذا اعتاد شخص استخدام زيت اللافندر قبل النوم، فقد يبدأ مع مرور الوقت في ربط رائحته بالهدوء والاستعداد للنوم.
وبالمثل، قد ترتبط روائح الحمضيات لدى البعض بالنظافة والنشاط، مما يجعل استنشاقها يمنحهم شعورًا بالانتعاش، نتيجة تكرار ارتباط الرائحة بموقف أو شعور معين.

هل العلاج بالروائح مناسب للجميع؟
تختلف الاستجابة لما يعرف بالعلاج بالروائح من شخص إلى آخر، لذلك لا توجد رائحة واحدة تضمن التأثير نفسه لدى الجميع.
فالرائحة التي تمنح شخصًا شعورًا بالراحة قد تكون مزعجة لآخر، نتيجة اختلاف الذكريات والتجارب الشخصية ودرجة الحساسية تجاه الروائح.
وقد تساعد بعض الروائح على الاسترخاء أو تحسين المزاج لدى بعض الأشخاص، لكنها لا تعد بديلًا للعلاج الطبي في الحالات الصحية الجسدية أو النفسية التي تستدعي تدخلًا متخصصًا.
وعند استخدام العطور أو الزيوت العطرية، يفضل البدء بكميات محدودة وتجنب الإفراط فيها، خاصة داخل الأماكن المغلقة، مع الحرص على توفير تهوية جيدة.
كما ينبغي توخي الحذر عند وضع الزيوت العطرية على الجلد، وعدم استخدامها مباشرة دون تخفيف مناسب، خاصة لدى الأشخاص ذوي البشرة الحساسة.
وفي النهاية، فإن اختلاف تفضيلات الروائح بين الأشخاص أمر طبيعي، لأن الدماغ لا يتعامل معها كإشارات منفصلة، بل يربطها بمجموعة من الذكريات والمشاعر والتجارب التي تختلف من شخص إلى آخر.



