للهزيمة صوتٌ لا تخطئه الأذن؛ أرضٌ تُفقد، مشروعٌ ينهار، وعدٌ لا يتحقق، وجمهورٌ ينفضّ بعدما طال انتظاره.
لكن أكثر الأفكار استعصاءً على الموت ليست تلك التي لا تُهزم، بل تلك التي أتقنت فنَّ إعادة تسمية هزائمها.
فالعقل الذي يؤمن بأنه يحتكر الحقيقة لا يستطيع بسهولة أن يقف أمام المرآة ويقول: أخطأت.
لأن الاعتراف بالخطأ، في عالم الحقيقة المطلقة، لا يعني مراجعة تقدير سياسي عابر، بل قد يعني انهيار البناء الذي رتّب صاحبه داخله معنى حياته، وحدد أصدقاءه وأعداءه، ودفع من أجله سنواتٍ من عمره.
وهنا يولد وهم الانتصار المؤجل.
لا تُنكر الهزيمة دائمًا، لكنها تُجرَّد من قدرتها على إصدار الأحكام.
ما حدث ليس نهاية الطريق، وإنما امتحان فيه؛ والخسارة ليست برهانًا على فساد الفكرة، وإنما ثمنًا لصدقها؛ والنصر لم يسقط من المعادلة، وإنما انتقل موعده من حاضرٍ يكذبه إلى مستقبل لا يستطيع أحد استجوابه بعد.
وهكذا يصبح المستقبل مخبأً للفكرة من هزائم الحاضر.
حين يصبح الواقع مؤلمًا
كان عالم النفس الاجتماعي الأمريكي ليون فستنجر Leon Festinger (1919–1989)يبحث في واحدة من أعجب حيل العقل البشري حين صاغ نظرية التنافر المعرفي Cognitive Dissonance: ماذا يحدث حين يصطدم اعتقاد راسخ بمعلومة أو واقعة تناقضه؟
في كتاب » عندما تفشل النبوءة« When Prophecy Fails الصادر سنة 1956 بالاشتراك مع عالِمَي النفس الاجتماعي الأمريكيين هنري دبليو. ريكن Henry W. Riecken (1917–2012)، وستانلي شاشتر Stanley Schachter (1922–1997)، درس الباحثون جماعةً آمنت بتوقع محدد ثم واجهت عدم تحققه.
تقوم النظرية على أن الإيمان الأعمى بالتنظيم المتطرف، إذا اقترن بخسائر فادحة يصعب التراجع عنها، وعاش داخل حاضنة جماعية متضامنة، قد لا يتصدع حتى أمام الحقائق التي تفنده؛ بل قد يندفع العضو إلى إعادة تفسير الواقع وصناعة سرديات بديلة، تحفظ ولاءه وتعيد المصالحة بين فكرته وبين أحداثٍ باتت تناقضها.
وأظهرت البحوث اللاحقة أبعادًا أكثر تعقيداً ؛ إذ إن خيبة الأمل الناتجة عن اصطدام الوعود بالواقع لا تفضي إلى استجابة نمطية واحدة، بل تتدخل عوامل عدة، من بينها البنية التنظيمية للجماعة وعمق الالتزام بطاعة قياداتها ، في تحديد الكيفية التي يستجيب بها أعضاؤها للحظة التي يكذّب فيها الواقع ما آمنوا به.
وهنا تبرز القضية المحورية: فالانكسار السياسي أو الفكري لا يدفع الإنسان تلقائيًا إلى النقد الذاتي؛ إذ قد يكون الالتفاف على الهزيمة، عبر صناعة المبررات النفسية والسرديات البديلة، أقل كلفةً من مواجهة السؤال الأصعب: ماذا لو كانت الفكرة نفسها قد أخطأت؟ فالمراجعة الحقيقية لا تقتضي تغيير موقف عابر، بل قد تفرض على صاحبها تفكيك جزء من هويته الفكرية وإعادة بنائه من جديد.
الماضي الذي يأسر المستقبل
لكن لماذا يتمسك الإنسان بطريق كلما سار فيه ازدادت خسائره؟
يقدم أستاذ السلوك التنظيمي الأمريكي باري م. ستاو Barry M. Staw مفتاحًا آخر.
ففي دراسته الشهيرة سنة 1976
» الركبتين في الوحل العميق« (Knee-Deep in the Big Muddy
اختبر ما سيعرف لاحقًا بأبحاث تصعيد الالتزام Escalation of Commitment؛ وأظهرت تجربته أن النتائج السلبية قد تدفع بعض صناع القرار في الجماعات المتطرفة ، ولا سيما عندما يشعرون بالمسؤولية عن القرار السابق، إلى ضخ موارد إضافية في المسار نفسه بدل الانسحاب منه ، وهنا تتحول التضحية إلى قيد.
فالذي دفع عامًا يستطيع أن يقول: أخطأت.
أما الذي دفع عشرين عامًا، وخسر صداقات، ووطن، وتحمل سجنًا أو منفى أو عزلة، فقد يصبح الاعتراف بالفشل أشبه بإصدار حكم على ماضيه الشخصي كله.
ومن أغرب مفارقات النفس أن الخسائر التي كان ينبغي أن تدفع صاحبها إلى العودة، قد تتحول إلى حجة للاستمرار: لقد دفعنا الكثير كي نتراجع الآن.
فتصبح دموع الأمس وأثمانه أقساطًا يدفعها الحاضر لنصرٍ يسكن في أوهام المستقبل.
حين يصبح الانتظار ولاءً
ثم يأخذنا العالم السياسي الألماني
ألبرت أو. هيرشمان Albert O. Hirschman (1915–2012)
إلى زاوية أخرى.
في كتابه» الخروج، والصوت، والولاء« Exit, Voice, and Loyalty الصادر سنة 1970، يدرس استجابات الأفراد لتدهور الكيانات المتطرفة ؛ فهناك الخروج Exit ، وهناك الصوت Voice، أي محاولة الإصلاح من الداخل، بينما يستطيع الولاء Loyaltyأن يؤخر الخروج ويمنح الصوت فرصة للعمل.
لكن ماذا يحدث في التنظيم المتطرف عندما يصبح الخروج خيانة، والصوت تمردًا؟
هنا قد لا يبقى أمام العنصر المتطرف سوى الانتظار.
ينتظر انتصارًا قادمًا يبرر ما مضى، وينتظر لحظةً تعيد إلى التضحيات معناها، وينتظر من التاريخ أن يصدر غدًا الحكم الذي رفض واقعه المتخيل أن يصدره اليوم.
وعندها لا يعود الانتظار حالة زمنية؛ بل يصبح طقسًا من طقوس الولاء.
من «هل؟» إلى «متى؟»
وهنا تقع أخطر عملية لغوية في عقل الحقيقة المطلقة.
في البداية يكون السؤال:
هل ستنتصر الفكرة؟
وهذا سؤال يسمح بإجابتين؛ نعم أو لا.
لكن اليقين المغلق يبدله خلسةً بسؤال آخر:
متى ستنتصر الفكرة؟
اختفت «هل»، وباختفائها اختفت إمكانية الهزيمة من اللغة قبل أن تختفي من الواقع.
لم يعد المستقبل مساحة مفتوحة لاحتمالات التاريخ، بل أصبح شاهدًا محتجزًا لصالح العقيدة؛ وكلما جاء الموعد ولم يأت النصر، تحرك الموعد إلى الأمام مرة أخرى.
الهزيمة ابتلاء، وتأخر النصر اختبار وتمحيص ، وانفضاض الأنصار غربلة، والخطأ اجتهاد، والخسارة ثمن، أما المراجعة فتصبح ضعفًا في اليقين.
وبذلك تبني الحقيقة المطلقة لنفسها حصنًا عجيبًا: إن انتصرت قالت إن الواقع صدّقها، وإن هُزمت قالت إن المستقبل سينصفها.
المستقبل ليس شاهدًا
ليست المشكلة في الأمل؛ فالإنسان بلا أمل يفقد أحد أعظم دوافعه إلى الحياة.
وليست في الصبر؛ فقد انتظرت أمم وحركات وأفكار عقودًا قبل أن تحقق أهدافها.
المشكلة تبدأ عندما يتحول المستقبل من احتمال إلى حجة، ومن مساحة للعمل إلى ملجأ نهرب إليه بكل وعد كذّبه الحاضر.
فالفكرة الناضجة لا تخشى أن تسأل نفسها بعد الهزيمة: لماذا أخطأنا؟ وما الذي تغير؟ وهل ما اعتقدناه بالأمس ما زال صالحًا اليوم؟
أما أصحاب أوهام الحقيقة المطلقة فلا تحب هذه الأسئلة؛ لأنها تعرف أن السؤال الصادق قد يفتح نافذةً يدخل منها الواقع الذي يخشاه !!
ولهذا تفضّل نافذة أخرى تطل دائمًا على الغد المتوهم .
وفي تلك المساحة الافتراضية، تصنع الأيديولوجيا المتطرفة انتصارًا متخيّلًا تهرب به من حكم الواقع، وتواصل مطالبة مريديها دائما بالمزيد : مزيد من الوقت، ومزيد من التضحيات، ومزيد من اليقين الأعمى والطاعة العمياء !!
غير أن السؤال الذي بات يهدد أركان هذه السردية لم يعد ذلك السؤال التخديري: «متى نبلغ النصر؟»، بل سؤالًا أكثر قسوةً وصدقًا يواجه ضمير الصف التنظيمي نفسه : كم من الهزائم والانكسارات الأخلاقية والسياسية يتعين علينا أن نتجرعها، قبل أن نملك شجاعة رفع الغشاوة عن أعيننا، ونترك للواقع أخيرًا حق الكلام؟