قد جانبت القراءات والتحليلات السياسية الصدارة حين تعاطت مع ملف السد الإثيوبي باعتباره مجرد أزمة هندسية عابرة أو نزاعاً تقنياً ينحصر في محاصصات المياه، مقزمةً بذلك الطبيعة الحقيقية للتهديد الجيوسياسي. إن هذا المشروع، في أبعاده القانونية والإمبريالية، يشكل مساراً دافعاً لمخاطر أمنية واستراتيجية بالغة الجسامة، مستنداً إلى عقيدة توسعية أرسى دعائمها الراحل ميليس زيناوي، ومتبنياً وظيفة إقليمية ودولية تستهدف هندسة الإقليم برمته لا القرن الأفريقي وحده. هذا الطموح الممنهج حظي بتوافقات دولية وإقليمية غايتها زعزعة استقرار منظومة الأمن القومي العربي وإعادة ترسيم توازناتها بما يناقض القواعد المستقرة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق المؤسسي، حرصت الدولة المصرية على تفعيل آليات الدبلوماسية متعددة الأطراف، فلجأت مراراً إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، موثقةً ومنددةً بالخروقات الإثيوبية الجسيمة للمعاهدات الدولية والاتفاقيات الإطارية الناظمة لاستخدامات مياه الأنهار الدولية، ومؤكدةً أن السلوك الإثيوبي يمثل انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ السلم والأمن الدوليين. بيد أن أديس أبابا استغلت هذه الممارسات لفرض واقع قانوني ومادي غاشم، مستندة إلى شبكات دعم عابرة للحدود. ولعل التحول الممنهج في مسار الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإثيوبيا لم يأتِ من فراغ؛ بل هو حصاد عقود من الرعاية المستمرة التي وفرها اللوبي الأفريقي في دوائر صنع القرار الأمريكي منذ التسعينيات، بالتوازي مع انخراط مؤسف ومستهجن من بعض العواصم العربية التي غلبت حسابات اقتصادية ضيقة على مصير الأمن القومي الشامل، مانحةً الغطاء السياسي لتعنت أديس أبابا.
ولا ينفصل هذا المشهد عن خريطة التحالفات العابرة للقارات، حيث يمثل مسار الربط الاستراتيجي بين الهند وإثيوبيا، امتداداً نحو البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حلقة متقدمة في ترتيبات الهيمنة الدولية للسيطرة على طرق التجارة العالمية وسلاسل الإمداد. وتتقاطع هذه المسارات بوضوح مع المشاريع الإقليمية الخفية والعلنية الرامية لخدمة أطماع التمدد الاستراتيجي للكيان الصهيوني في القرن الأفريقي، عبر التغلغل الاستخباراتي والعسكري في الفناء الخلفي لمصر، لخلق كماشة استراتيجية تستهدف تقويض السيادة المصرية، وتطويق مدخلها الجنوبي، وإجهاض دورها الإقليمي المحوري.
أمام هذه المخاطر الممنهجة، لم تقف مصر مكتوفة الأيدي؛ بل انطلقت من فهم استراتيجي منضبط وحق سيادي أصيل تمليه قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لتعزز حضورها الميداني والسياسي والأمني في دول القرن الأفريقي عبر شراكات ثنائية جادة. إن هذا التحرك المصري الفاعل لا يعكس نزعة هيمنة، بل يجسد تفعيلاً موضوعياً لمبدأ الدفاع الشرعي وحماية المصالح الحيوية العليا؛ لتظل حقوق الشعب المصري المائية والوجودية خطاً أحمر لا تقبل المساومة ولا التهاون مهما بلغت التعقيدات والتحالفات.