عاجل

في مدينة أبو قير بالإسكندرية، وتحديدًا داخل الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، عشت تجربة مختلفة وملهمة خلال المؤتمر العلمي «الباحث الصغير» في دورته الرابعة لعام 2026، الذي نظمته مجموعة مدارس بدر برعاية الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وبالتعاون مع اللجنة الوطنية المصرية للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو».

منذ اللحظة الأولى، لفتني التنظيم وحسن الاستقبال، لكن ما بقي معي بعد انتهاء المؤتمر لم يكن تفاصيل التنظيم، وإنما هؤلاء الأطفال الذين وقفوا أمامي بثقة جعلتني أنسى للحظات أنهم طلاب في المرحلة الابتدائية والإعدادية.

كانوا يتحدثون عن أبحاثهم ومشروعاتهم العلمية، يناقشون أفكارهم، ويجيبون عن الأسئلة بثبات. رأيت أطفالًا في الصف الثالث الابتدائي يتحدثون عن موضوعات بحثية ومشروعات علمية، فوجدت نفسي أتساءل: هل نحن أمام أطفال في المرحلة الابتدائية، أم أمام باحثين صغار يستعدون لخطوات أكبر في طريق العلم؟

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في قدرة هؤلاء الأطفال على الحديث أمام الجمهور، وإنما في الطريقة التي وصلوا بها إلى ما يقولون.

أكثر ما أعجبني في التجربة هو أن الطفل لم يكن يقف ليلقي معلومات حفظها من كتاب أو موقع إلكتروني، وإنما كان يبحث ويسأل ويحاول أن يصل إلى المعلومة بنفسه. كان هناك نقاش حقيقي، وتبادل للأفكار والخبرات، وروح تعاون واضحة بين الطلاب؛ الأكبر يساعد الأصغر، والأكثر خبرة يشارك زملاءه ما تعلمه.

وهنا تكمن قيمة التجربة في رأيي.

نحن لا نحتاج إلى جيل يحفظ أكبر قدر ممكن من المعلومات، بقدر ما نحتاج إلى جيل يعرف كيف يبحث عن المعلومة، وكيف يختبر صحتها، وكيف يميز بين الحقيقة والرأي، ولا يصدق كل ما يراه على مواقع التواصل الاجتماعي لمجرد أنه منشور أمامه.

هذا هو الفارق بين التعليم الذي يلقن الطفل، والتعليم الذي يصنع منه باحثًا.

ولم تكن الموضوعات التي تناولها الطلاب مجرد أبحاث مدرسية تقليدية، وإنما اقتربت من قضايا حقيقية تمس المجتمع والبيئة والحياة اليومية، من مشكلة القمامة في البحار، إلى التعامل مع الكلاب الضالة، إلى موضوعات مرتبطة بالقياسات والدراسات تحت الماء.

والأهم أن بعض الطلاب لم يكتفوا بالبحث على الإنترنت، وإنما ذهبوا إلى المكتبات والأماكن المرتبطة بموضوعات أبحاثهم، وجمعوا المعلومات من مصادر مختلفة، وحاولوا الوصول إلى الحقيقة بأنفسهم.

وهذه في حد ذاتها قيمة تعليمية كبيرة؛ لأن الطفل الذي يتعلم اليوم أن يسأل ويبحث ويتحقق، سيكون غدًا أكثر قدرة على التفكير المستقل، وأقل عرضة لأن تقوده الشائعة أو المعلومة المضللة.

ومن المشاهد التي أثرت فيّ أيضًا وجود أساتذة ودكاترة من الجامعات يشرفون على أبحاث هؤلاء الأطفال. أن يقف طفل صغير أمام أستاذ جامعي، يعرض فكرته، ويتلقى منه التوجيه والمناقشة والتقييم، فهذه ليست مجرد لحظة تعليمية عابرة.

إنها تجربة تزرع في الطفل الثقة بنفسه، وتمنحه شعورًا مبكرًا بأنه قادر على أن يكون جزءًا من عالم العلم والمعرفة، وأن صغر سنه لا يعني أن صوته أو فكرته بلا قيمة.

ومن النماذج التي أسعدني أن أراها بين خريجي مدارس بدر، مازن، الذي أصبح اليوم طالبًا بكلية الطب البيطري. مثل هذه النماذج تذكرنا بأن الاستثمار في شخصية الطفل لا تظهر نتائجه في لحظته فقط، وإنما يمكن أن يمتد أثره سنوات طويلة، حين تتحول الثقة المبكرة بالنفس والقدرة على البحث والتفكير إلى شخصية أكثر نضجًا واستعدادًا للمستقبل.

لكن العلم وحده لم يكن بطل هذه التجربة.

كان الجانب الإنساني حاضرًا بقوة، وربما كان من أكثر المواقف التي أثرت فيّ ما حدث عندما تردد أحد الأطفال وشعر بالحرج من التحدث أمام الحضور.

هنا ظهرت قيمة التربية الحقيقية.

تعاملت الأستاذة الدكتورة هدى بشير، أمين عام المؤتمر، مع الموقف بطريقة تربوية راقية؛ شجعته وأصرت على أن يدخل ويقدم مشروعه، لتمنحه فرصة يتجاوز فيها خوفه، ويكتشف أنه قادر على الوقوف أمام الآخرين والتعبير عن نفسه.

بالنسبة لي، لم يكن هذا مجرد موقف عابر داخل مؤتمر علمي.

كان درسًا في التربية.

فنحن حين نبني الباحث لا نبني قدرته على جمع المعلومات فقط، وإنما نبني معه إنسانًا قادرًا على السؤال، والحوار، والمواجهة، والتعبير عن نفسه، والثقة بقدرته على التعلم.

وهذا هو الجانب الذي أراه شديد الأهمية في مثل هذه التجارب؛ أن الطفل لا يخرج منها بمعلومة جديدة فقط، وإنما يخرج بصورة مختلفة عن نفسه.

لقد لفتني كذلك أن التجربة جمعت بين المدرسة والجامعة، وبين الطفل والأستاذ، وبين البحث النظري والتطبيق العملي. وهذا النوع من التواصل المبكر يفتح أمام الطفل أبوابًا قد لا يصل إليها التعليم التقليدي وحده.

ومن هنا أتوجه بالشكر إلى الأستاذ الدكتور عصام العشماوي، رئيس المؤتمر، والأستاذة الدكتورة هدى بشير، أمين عام المؤتمر، على ما بذلاه من جهد، وحرصهما على الجمع بين الجانب العلمي والجانب التربوي والإنساني.

كما أتوجه بالشكر إلى الأستاذ الدكتور إسماعيل عبد الغفار، رئيس الأكاديمية وراعي المؤتمر، والأستاذ الدكتور علاء عبد الباري، مقرر المؤتمر، والأستاذ الدكتور كمال عبد المنعم، أمين عام مساعد المؤتمر، وكل الأساتذة والمشرفين والمعلمين وأولياء الأمور الذين ساهموا في إنجاح هذه التجربة.

وأخص بالشكر مدارس بدر، التي قدمت نموذجًا يؤكد أن بناء الباحث لا يبدأ بالضرورة من الجامعة. يمكن أن تبدأ الرحلة من طفل صغير يمسك كتابًا، أو يطرح سؤالًا، أو يحاول أن يفهم مشكلة يراها من حوله.

الطفل عندما يحصل على الثقة والمساحة المناسبة للبحث والتجربة قد يفاجئنا بقدرات تفوق توقعاتنا.

غادرت المؤتمر وأنا أشعر بسعادة حقيقية؛ لأنني كنت وسط جيل صغير في عمره، لكنه كبير في فضوله وطموحه. رأيت بينهم الرغبة في المعرفة، والثقة، والتعاون، ومحاولة فهم العالم من حولهم بدل الاكتفاء بحفظ ما يقال لهم.

وأعتقد أن هذه هي القيمة الأهم التي يمكن أن نخرج بها من تجربة «الباحث الصغير».

أن نعلم أبناءنا كيف يبحثون، لا ماذا يحفظون فقط.

أن نعلمهم أن السؤال ليس علامة على الجهل، وإنما بداية المعرفة، وأن الوصول إلى الحقيقة يحتاج إلى بحث وتحقق، وأن الخطأ في طريق التعلم ليس عيبًا، وإنما فرصة لاكتشاف طريق أفضل.

أتمنى أن نرى في السنوات المقبلة المزيد من هؤلاء الباحثين الصغار، وأن تمتد مثل هذه التجارب إلى أطفال أكثر، في مدارس ومحافظات مختلفة؛ لأن الاستثمار الحقيقي في المستقبل لا يبدأ عندما يصل الشاب إلى الجامعة أو سوق العمل، وإنما يبدأ منذ اللحظة التي نمنحه فيها الحق في أن يسأل، والفرصة في أن يبحث، والثقة في أن يقول: لدي فكرة.

ربما يكون بين هؤلاء الأطفال اليوم عالم أو طبيب أو مهندس أو مبتكر يرفع اسم مصر في المستقبل.

لكن الأهم من ذلك كله أن يكون بينهم إنسان يعرف كيف يفكر، وكيف يبحث عن الحقيقة، وكيف يصنع طريقه إليها.

وهذا وحده سبب كافٍ لأن نمنح «الباحث الصغير» مساحة أكبر في تعليمنا ومستقبل أبنائنا.

تم نسخ الرابط