تخيل شاشة إخبارية في المستقبل القريب، يظهر عليها مذيع بملامح مثالية وصوت ثابت، يقدم الأخبار بسلاسة ودقة، ينتقل بين اللغات، ولا يحتاج إلى استراحة أو إعداد طويل قبل الظهور. يستطيع تقديم النشرة على مدار الساعة، وتغيير أسلوبه وفقًا لطبيعة المحتوى والجمهور، لكن المفاجأة أن هذا المذيع ليس إنسانًا، بل نموذج رقمي صممته خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
هذا المشهد الذي كان يبدو قبل سنوات جزءًا من الخيال العلمي، أصبح أقرب إلى واقع الإعلام، مع تطور تقنيات توليد الصور والأصوات والشخصيات الافتراضية. ومع دخول هذه التقنيات إلى غرف الأخبار ومنصات المحتوى، لم تعد المنافسة تدور فقط حول من يقدم الخبر بصورة أفضل، وإنما حول سؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث عندما تصبح الكاريزما نفسها قابلة للبرمجة؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي يكتفي بالعمل خلف الكاميرا، بل بدأ يقترب من المساحة التي ظل الإنسان يملكها طويلًا: الظهور أمام الجمهور. مذيع افتراضي يمكن تصميم ملامحه، وتحديد صوته، وضبط طريقة حديثه، واختيار نبرة أدائه، بل وإعادة تشكيل شخصيته وفق طبيعة البرنامج والجمهور المستهدف. وهنا تصبح الشاشة أمام نموذج جديد من الحضور الإعلامي؛ حضور لا يعتمد على سنوات الخبرة والتجربة الشخصية بقدر اعتماده على البيانات والخوارزميات.
والمسألة لا تتعلق بالمذيع الإخباري وحده، فالمجال أوسع من قراءة نشرة أو تقديم خبر. ماذا لو أصبح بالإمكان صناعة مذيع افتراضي لبرنامج حواري، أو مقدم لبرنامج ترفيهي، أو شخصية تقدم محتوى ثقافيًا ومعرفيًا؟ وماذا لو أمكن تصميم شخصية تجمع بين سرعة الأداء، وخفة الظل، والقدرة على مخاطبة كل فئة بلغتها وأسلوبها؟
لكن المذيع الحقيقي لا يقدم محتوى فقط، بل يقدم نفسه أيضًا. شخصيته جزء من المنتج الإعلامي، وتلقائيته قد تكون أهم من النص المكتوب، وطريقة تعامله مع ضيف مفاجئ قد تصنع لحظة تلفزيونية لا يمكن إعدادها مسبقًا. وقد ينجح في تحويل حوار عادي إلى نقاش مؤثر، أو يتعامل مع موقف محرج بخفة، أو يلتقط من إجابة ضيف كلمة تفتح مسارًا جديدًا للحوار.
وهنا تظهر إشكالية «الكاريزما المعلبة». فالذكاء الاصطناعي يستطيع محاكاة الكثير من العلامات التي نربطها بالكاريزما؛ نبرة صوت واثقة، ابتسامة محسوبة، نظرة مباشرة للكاميرا، وحركة جسد مناسبة. يمكن برمجة الشخصية لتبدو هادئة أو حماسية أو جادة وفقًا لطبيعة المحتوى، لكنها في النهاية كاريزما مصممة سلفًا، قابلة للتعديل وفقًا للغرض.
أما الكاريزما البشرية، فهي حصيلة شخصية وتجارب ونجاحات وإخفاقات ومواقف تصنع حضور صاحبها أمام الكاميرا وخارجها. المذيع الحقيقي يدخل الاستوديو محملًا بتجربته، وقد يغير سؤالًا لأن إحساسه باللحظة تغير، أو يلتقط رد فعل غير متوقع، أو يترك مساحة للصمت عندما تكون الكلمات أقل أهمية من الموقف.
تستطيع الآلة أن تبدو متعاطفة، لكنها لا تعيش التجربة التي تتحدث عنها. يمكنها أن تضحك في اللحظة المناسبة، لكنها لا تمتلك ذكريات صنعت ضحكتها، ويمكنها أن تحاكي الدهشة دون أن تختبرها. وهنا يظهر الفارق بين محاكاة الإنسان وامتلاك تجربته.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره عدوًا للمذيع. التكنولوجيا ستعيد تشكيل المهنة، لكنها قد تمنح المذيع أدوات أقوى في البحث وإعداد الحلقات وتحليل المعلومات وترجمة المحتوى واقتراح الأسئلة، بينما يظل الإنسان مسؤولًا عن إدارة اللحظة وصناعة المعنى والتفاعل مع الضيف والجمهور.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل سيحل المذيع الافتراضي محل المذيع البشري؟ بل: ماذا سيفعل المذيع البشري عندما يصبح قادرًا على الاستعانة بكل هذه الأدوات؟
قد تتفوق الخوارزمية في السرعة والدقة، لكنها لا تزال أمام الاختبار الأصعب: بناء علاقة حقيقية مع الجمهور. فمستقبل الشاشة قد لا يكون للإنسان وحده ولا للآلة وحدها، وإنما لمن يستطيع الجمع بين دقة التكنولوجيا وروح الإنسان، دون أن تتحول الكاريزما إلى مجرد منتج مثالي تصنعه الخوارزميات.