عاجل

في كل مرة تهتز فيها الساحة الإعلامية بسبب واقعة أو خلاف أو أزمة مهنية، نندفع إلى مناقشة الواقعة ذاتها، كأنها بدأت وانتهت في لحظتها، وكأن الأشخاص الذين ظهروا في المشهد هم أصل المشكلة. ثم تهدأ العاصفة، ويعود كل شيء إلى مكانه، إلى أن تظهر واقعة أخرى تعيد السؤال نفسه من جديد. وهكذا تتحول إدارة الأزمات إلى عادة، بينما يظل أصل الأزمة في مكانه، لا يراه أحد إلا عندما يطفو على السطح.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة إدارة الأزمات بوصفها علمًا ومهارة، لا مجرد رد فعل سريع. فالإدارة الناجحة للأزمة لا تبدأ عندما ترتفع الأصوات، وإنما قبل ذلك بكثير، من خلال قراءة احتمالات الخلاف، وفهم مصادر التوتر، ووضع قواعد للتعامل معه إذا وقع. أما أن ننتظر الأزمة حتى تبلغ ذروتها، ثم نبحث عن مخرج، فهذه ليست إدارة للأزمة بقدر ما هي محاولة للسيطرة على نتائجها.

الأزمة الناجحة في إدارتها ليست بالضرورة الأزمة التي تختفي سريعًا، وإنما الأزمة التي نخرج منها وقد فهمنا أسبابها، وحددنا المسؤوليات فيها، ووضعنا آلية تمنع تكرارها. وهذه النقطة بالذات هي التي ينبغي أن يبدأ منها الحديث عن إصلاح الإعلام. فالمشكلة ليست في أن تقع أزمة، فالأزمات جزء من حياة أي مهنة، وإنما في أن تتكرر الأسئلة ذاتها دون أن نجد لها قواعد نهائية تحسمها. وحين تتكرر الأسئلة، فهذا يعني أن المشكلة لم تعد في الأشخاص، وإنما في البناء الذي يحكم العلاقة بينهم.

الإعلام المصري دخل خلال السنوات الأخيرة إلى مرحلة مختلفة تمامًا عن المراحل التي عرفها من قبل. تغيرت الصحافة، وتغيرت أدواتها، واختلفت طبيعة الجمهور، وتداخلت الصحافة مع التلفزيون والمنصات الإلكترونية ومواقع التواصل، وأصبح الخبر يتحرك في فضاء واسع لا تحده حدود الصحيفة أو شاشة القناة. هذه التحولات لم تكن مجرد تغير في الوسائل، وإنما غيرت طبيعة المهنة نفسها.

وهنا تظهر المشكلة: الواقع تحرك بسرعة، بينما التشريع بطبيعته أبطأ حركة. ليس في ذلك عيب في التشريع، فالقانون يحتاج إلى التروي والدراسة، لكن الخطر يبدأ عندما تصبح المسافة بين الواقع والقانون واسعة إلى درجة تجعل النص عاجزًا عن الإجابة عن الأسئلة الجديدة. عندها تظهر المنطقة الرمادية، وفي المنطقة الرمادية يبدأ الاجتهاد، ومع الاجتهاد يبدأ الخلاف.

ولذلك فإن مراجعة قانون نقابة الصحفيين ليست قضية مرتبطة بأزمة بعينها، ولا ينبغي أن تكون كذلك. لا يجوز أن نكتب قاعدة جديدة لأن اسمًا معينًا دخل في خلاف، أو لأن واقعة أثارت اهتمام الرأي العام. التشريع الذي يولد من رحم الواقعة يموت غالبًا بانتهاء الواقعة، أما التشريع الذي ينظر إلى المهنة في مجموعها، فيبقى صالحًا حتى بعد أن تختفي الأسماء من المشهد.

ومن هنا فإن المطلوب هو قواعد يعرفها الجميع قبل أن تبدأ المشكلة: قواعد للقيد لا تحتمل الالتباس، وتعريف واضح للممارسة الصحفية، وحدود معروفة للمسؤولية، وحقوق لا تحتاج إلى وساطة، وواجبات لا تختلف من شخص إلى آخر. والأهم أن تكون هناك آلية واضحة لحسم الخلاف، حتى لا يتحول كل ملف إلى معركة تفسير، ولا يصبح كل قرار موضوعًا لخلاف جديد. فالقاعدة الواضحة ليست فقط أداة للوقاية من الأزمة، وإنما هي أيضًا أهم أدوات إدارتها عندما تقع.

ولعل الوقائع التي ارتبطت في الفترة الأخيرة بالدكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، والإعلامي شريف عامر، والدكتور خالد أبو بكر، تطرح نموذجًا مناسبًا للتفكير في الطريقة التي ينبغي أن ندير بها أزمات المجال الإعلامي. القضية هنا ليست في الأشخاص، ولا في إصدار أحكام مسبقة على أي طرف، وإنما في كيفية التعامل مع الأزمة عندما تظهر، وكيف نمنعها من التحول إلى صراع مفتوح، وكيف نستفيد منها في اكتشاف مواطن الخلل.

إدارة الأزمة الإعلامية تحتاج إلى ثلاث مراحل واضحة: الاستيعاب، ثم المعالجة، ثم التعلم. الاستيعاب يعني منع الأزمة من التمدد، وتهدئة مساحة الاشتباك، وفصل الحقائق عن الانطباعات، وعدم السماح للضجيج بأن يفرض نفسه باعتباره حقيقة. والمعالجة تعني العودة إلى أصل المشكلة، وتحديد ما إذا كان الخلاف سببه شخصيًا أم مهنيًا أم قانونيًا، ثم اختيار الأداة المناسبة للتعامل معه. أما المرحلة الأهم فهي التعلم، أي ألا تنتهي الأزمة بمجرد انتهاء الضجة، وإنما تتحول إلى درس تشريعي ومؤسسي يمنع تكرارها.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة: إذا انتهت كل أزمة بالتصريحات والبيانات ثم عاد المشهد إلى نقطة البداية، فنحن لم ندِر الأزمة، وإنما أدرنا لحظتها الإعلامية فقط. أما إذا انتهت الأزمة بتعديل قاعدة، أو توضيح اختصاص، أو وضع إجراء محدد، أو إزالة منطقة غموض، فهنا يصبح للأزمة معنى آخر، لأنها تحولت من مشكلة إلى فرصة للإصلاح.

وإذا انتقلنا من قضية القيد والممارسة إلى قضية المعلومات، وجدنا أننا أمام الحلقة الأخرى من حلقات الإصلاح. فالصحفي لا يستطيع أن يعمل في فراغ، ولا يمكن أن نطالبه بتحقيق مهني دقيق بينما يظل الوصول إلى المعلومات خاضعًا في بعض الأحيان لعوامل شخصية أو إدارية لا يعرف حدودها.

الدستور نفسه وضع أساسًا واضحًا في المادة 68، عندما قرر أن المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، وأن إتاحتها حق تكفله الدولة. وهذه ليست عبارة إنشائية يمكن أن تبقى معلقة في الهواء، وإنما مبدأ دستوري يحتاج إلى ترجمة عملية في قانون يحدد طريقة الحصول على المعلومات، والجهة التي تقدمها، والمدة اللازمة للرد، والحالات التي يجوز فيها الحجب.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة قانون حرية تداول المعلومات. القانون المطلوب ليس قانونًا يفتح كل الأبواب بلا حساب، كما أنه ليس قانونًا يجعل كل باب مغلقًا بدعوى السرية. بين الأمرين توجد منطقة هي التي يجب أن ينظمها المشرع بدقة. فهناك معلومات ينبغي أن تكون متاحة، وهناك معلومات يحكم طبيعتها أن تظل محمية، لكن الفاصل بين النوعين لا ينبغي أن يكون رأيًا شخصيًا، وإنما نصًا قانونيًا واضحًا.

وبعد تقديم مشروع القانون إلى مجلس النواب بدعم وتوقيع ستين نائبًا، يصبح من الضروري التعامل مع الملف باعتباره استحقاقًا تشريعيًا ينبغي حسمه، لا مجرد فكرة تعود إلى الواجهة كل فترة ثم تختفي. فالمجتمع الذي يريد إعلامًا قويًا يحتاج إلى إعلام يستطيع الوصول إلى المعلومة. والصحفي الذي يُطلب منه أن يتحقق من الوقائع يحتاج إلى مصدر رسمي يستطيع الرجوع إليه. والدولة التي تريد مواجهة الشائعة تحتاج هي الأخرى إلى بيئة معلومات واضحة، لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا طويلًا، وإنما تملؤه الروايات والتكهنات والشائعات.

ومن هنا فإن قانون تداول المعلومات ليس مصلحة للصحفي وحده، هو في جوهره مصلحة للمجتمع والدولة معًا. وحين تصبح المعلومة حقًا قانونيًا، تتغير طبيعة العلاقة بين الصحفي والجهة الرسمية؛ لن يعود الأمر متوقفًا على معرفة شخصية، أو على رغبة موظف، أو على تقدير مسؤول، سيصبح هناك طريق محدد للحصول على المعلومة، وطريق محدد أيضًا للاعتراض على رفضها.

وهذه هي وظيفة القانون في أي مجتمع منظم: أن ينقل العلاقات من منطقة الأشخاص إلى منطقة القواعد. ولعلنا بحاجة في ملف الإعلام إلى هذه النقلة تحديدًا. فبدلًا من أن نسأل في كل أزمة: من المخطئ؟ ومن المسؤول؟ ولماذا حدث ذلك؟ علينا أن نضيف سؤالًا آخر أكثر أهمية: ماذا كشفت لنا الأزمة عن المنظومة؟ وهل تسمح القواعد الحالية بتكرار ما حدث؟

إذا كانت تسمح، فالمشكلة أكبر من الواقعة. إعلام إصلاح لا يعني التضييق على المهنة، كما لا يعني إطلاقها بلا ضابط. الإصلاح الحقيقي هو أن تكون هناك حرية مسؤولة، ومسؤولية محددة، وقواعد عادلة، ومعلومة متاحة في إطار القانون، ومؤسسات تعرف اختصاصاتها، وممارسون يعرفون حقوقهم وواجباتهم.

لقد تغيرت خريطة الإعلام، ومن الطبيعي أن تتغير معها أدوات تنظيمه. ولا يمكن أن نظل نعيش بعقلية إطفاء الحرائق، بينما تتراكم في البناء أسلاك تحتاج إلى إعادة ترتيب. كل أزمة جديدة يجب أن تكون درسًا في إصلاح القاعدة، لا مناسبة لصناعة أزمة جديدة.

فالأشخاص يذهبون، والوقائع تنتهي، والضجيج يخفت، لكن القانون يبقى. ولهذا فإن إصلاح الإعلام الحقيقي لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج، وإنما يحتاج إلى تشريع يسبق المشكلة، لا يلحق بها، وإلى قواعد تُكتب للمستقبل لا كرد فعل على الماضي.

عندها فقط ننتقل من إعلام تحاصره الأسئلة إلى إعلام يعرف إجاباتها، ومن إدارة الأزمات إلى منع أسبابها، ومن الكلام عن الإصلاح إلى ممارسة الإصلاح. فالإنجاز الحقيقي ليس في قدرتنا على إخماد الأزمة بعد اشتعالها، وإنما في قدرتنا على فهمها وإدارتها واستخلاص الدرس منها، ثم إصلاح القاعدة التي سمحت لها بالظهور. فالإعلام الذي يريد أن يتقدم لا يحتاج إلى إخفاء أزماته، وإنما إلى امتلاك الشجاعة المؤسسية لتحويل كل أزمة إلى معرفة، وكل معرفة إلى قاعدة، وكل قاعدة إلى إصلاح.

تم نسخ الرابط