عاجل

لم تعد طوابير التأمين الصحي مجرد مشهد يتكرر يومياً بل تحولت إلى طقس من طقوس المعاناة التي يخوضها ملايين من أصحاب الدخول المحدودة والأرامل وأصحاب المعاشات .. فبخلاف المعاناة من حجز على الإنترنت وزحام شديد في العيادات يزيد من معاناة المترددين على العيادات وخاصة أن معظمهم من كبار السن .. تتجلى الأزمة في الاصطدام اليومي بحقيقة مريرة داخل الصيدليات الحكومية هي عدم توافر الدواء.. أزمة تتجاوز مجرد اختفاء دواء ما لتصل إلى حد تعريض حياة أصحاب الأمراض المزمنة للخطر الداهم خاصة أن معظمهم لايملكون رفاهية العلاج الخاص ..

امتدت أزمة شح الأدوية داخل عيادات التأمين الصحي لتشمل حزمة من المستحضرات الطبية الحيوية التي لا تحتمل التأجيل أو الانقطاع منها علاجات أمراض الأعصاب والصرع مع انقطاع متكرر في أدوية تنظيم كهرباء المخ والمسكنات المخصصة للمرضى  مما يؤدي إلى انتكاسات صحية حادة عند توقف الجرعات فجأة..

أيضا مضادات الجلطات ومذيباتها التي يشكو المرضى من غياب أصناف رئيسية منها كانت تصرف بانتظام لمرضى القلب والجلطات الدماغية وهو ما يضع المريض أمام مخاطر الفشل العضلي أو الوفاة الفجائية..

أما أدوية الضغط والسكر والأورام فهناك شح في بعض المثائل ذات الكفاءة العالية واقتصار الصرف على أصناف بديلة قد لا تتوافق طبيا مع جميع الحالات..

والأزمة الأكبر التي يعاني منها مرضى التأمين الصحي هي عدم وجود الإنسولين وتصريحات المسئولين «من أراد المستورد فليدفع».. فقد تصدرت أزمة الإنسولين الواجهة كأحد أكثر الملفات إيلاماً لمرضى السكري في مصر حيث فوجئ الملايين مؤخراً بتصريحات رسمية لوزير الصحة والسكان أكد فيها أن الدولة توفّر "المثيل المحلي" عبر منظومة التأمين ولا حجة للاعتماد على المستورد متبعاً إياها بمنطق صريح مفاده «من يرغب في الحصول على الأنسولين المستورد فعليه شراؤه على حسابه الخاص».

هذا الطرح الرسمي يواجه إشكاليات حقيقية على أرض الواقع فلا يرتبط تمسك المريض أو الطبيب بالأنسولين المستورد بـ "رفاهية الاختيار" بل باستقرار الحالة الصحية إذ تؤدي عملية التغيير العشوائي لنوع الأنسولين لبعض الحالات (خاصة الأطفال والمرضى ذوي الحساسية العالية) إلى اضطرابات حادة في مستوى السكر والتسبب في غيبوبات مفاجئة خاصة مع عدم وجود الإنسولين المستورد .. أيضا إحالة المريض لشراء الأنسولين المستورد من الصيدليات الخارجية تحمله أعباء مالية باهظة ترهق الأسر الفقيرة والمعاشات خاصة بعد ارتفاع أسعار الدواء مما يحول الخدمة التأمينية من حق مكفول بالقانون إلى مجرد هيكل شكلي..

والحقيقة أن  تصريحات الوفرة تصطدم بتجارب المواطنين اليومية حيث يعاني العديد من منافذ التأمين الصحي من نقصٍ حتى في الكميات المخصصة للأنسولين المحلي البديل لتتضاعف أزمة المريض بين عدم القدرة على الشراء الخارجي وعدم العثور على البديل الداخلي.

إن حل معضلة التأمين الصحي لا ينبغي أن يعتمد على تخفيف أعباء الفاتورة العلاجية للدولة عبر تحويلها إلى كاهل المريض بل يتطلب تحركاً إستراتيجياً يعيد الاعتبار للبعد الاجتماعي عن طريق إنشاء منظومة رقمية توضح المخزون الفعلي في كل منفذ تأميني لمنع انقطاع الأدوية فجأة وتأمين الإمدادات بانتظام.. مع التوسع في إنتاج البدائل المحلية وفق معايير جودة عالية مع عدم قطع الاستيراد للحالات الحرجة التي يوصي بها الأطباء رسمياً.. وأخيرا إعطاء الأولوية القصوى لأدوية الأمراض المزمنة (كالسكر والسرطان والجلطات) بصفة خدمات أمن قومي صحي لا تحتمل التقشف الإداري.

إن العلاج ليس سلعة رفاهية يترك حسمها لقواعد السوق والتأمين الصحي أُنشئ ليكون الملاذ الأول لحماية البسطاء .. وإذا تقاعست الدولة عن توفير الدواء الأساسي لمرضاها أو رفعت يدها عن تدبير الأنسولين بدعوى توافر البدائل المحلية التي تغيب أحياناً عن الرفوف فإن الأمن الصحي للمواطن يصبح على المحك وهو ما يستدعي مراجعة عاجلة لهذه السياسات حمايةً لحياة الملايين من البسطاء.

تم نسخ الرابط