"ألو.. ألو.. هنا راديو حبشي ". ثم جاء الصوت الأشهر: "هنا القاهرة "
هكذا بدأ الأثير المصري يخطو أولى خطواته نحو صناعة تاريخ جديد للصوت؛ تاريخ لم يعد فيه الكلام حبيس المجالس والبيوت، ولا التلاوة أسيرة المساجد والمآتم، بل صار بإمكان الصوت أن يعبر المسافات، ويدخل كل بيت من نافذة صغيرة اسمها "الراديو "
بين الإذاعات الأهلية التي سبقت الإذاعة الرسمية، والإذاعة المصرية التي انطلق بثها في 31 مايو 1934، تشكل فصل مبكر من تاريخ الإعلام المصري. وكان القرآن الكريم في قلب هذا المشهد منذ اللحظة الأولى؛ فالإذاعات الأهلية اعتادت أن تفتتح إرسالها بتلاوته، بينما بدأ البث الرسمي بتلاوة الشيخ محمد رفعت .
لكن في تلك السنوات الأولى كان هناك صوت آخر يقف خلف الميكروفون، صوت نسائي يتلو القرآن على مسامع المستمعين. نعم، لم يكن أثير الإذاعة المصرية حكرًا على أصوات الرجال؛ فقد عرفت البدايات قارئات للقرآن، ظهر بعضهن في الإذاعات الأهلية، ثم وجدن طريقهن إلى الإذاعة الرسمية، قبل أن يتراجع حضورهن تدريجيًا حتى أصبح مجرد أثر في ذاكرة الإذاعة.
من المآتم إلى الميكروفون.. حين خرجت التلاوة من البيوت
لم تولد قارئات القرآن مع اختراع الراديو؛ فقد كان لهن حضور معروف في المجتمع المصري، خاصة في مآتم النساء، حيث كانت العادات الاجتماعية تتيح لهن إقامة مجالس عزاء خاصة بهن. ومن هذه المساحة الاجتماعية نشأت مهنة المقرئة، وصارت بعض الأصوات معروفة في الأحياء والقرى والبيوت. ثم اتسعت الدائرة. خرجت بعض القارئات من حدود المآتم إلى المناسبات الدينية والليالي العامة، ومع انتشار الإذاعات الأهلية وجدت تلك الأصوات وسيلة جديدة للوصول إلى جمهور لم تكن تعرفه من قبل.
ومن بين الأسماء التي لمع نجمها في تلك الفترة منيرة عبده، التي بدأت تلاوة القرآن في سن مبكرة، حتى ذاع صيتها داخل مصر وخارجها، إلى جانب كريمة العدلية وغيرها من القارئات.وحين فتحت الإذاعة المصرية الرسمية أبوابها عام 1934، لم تكن المرأة تخوض تجربة الميكروفون للمرة الأولى؛ فقد سبقتها تجارب أهلية، وجمهور يعرف بعض هذه الأصوات وينتظرها.
أصوات نسائية عبرت الأثير
تكشف المصادر عن عدد من القارئات اللاتي تركن أثرًا في السنوات الأولى من عمر الإذاعة. تأتي منيرة عبده في المقدمة، باعتبارها واحدة من أبرز الأسماء النسائية التي ارتبطت بتلاوة القرآن عبر الأثير. وتذكر مصادر صحفية أنها كانت تتقاضى خمسة جنيهات مقابل التلاوة، في حين كان الشيخ محمد رفعت يتقاضى عشرة جنيهات. أما كريمة العدلية فكانت من الأصوات البارزة في تلك المرحلة، ولم تقف تجربتها عند تلاوة القرآن، بل ارتبط اسمها أيضًا بالإنشاد والغناء، في صورة تعكس تنوع المشهد الفني والديني في مصر آنذاك.
وتظهر كذلك خوخة إسماعيل، التي بدأت تلاوتها في الإذاعة في أبريل 1936، ثم أُسندت إليها التلاوات النسائية لفترة، إلى جانب أسماء أخرى مثل منيرة أحمد المصري وعطيات إبراهيم.
أين ذهب الصوت النسائي؟
ربما يكون السؤال الأكثر إثارة في هذه الحكاية ليس: كيف وصلت المرأة إلى الميكروفون؟ وإنما: كيف غادرته؟ تختلف الروايات حول أسباب وتوقيت اختفاء القارئات من الإذاعة. فهناك روايات صحفية تربط التراجع بفتاوى اعتبرت صوت المرأة عورة، بينما يشير باحثون في التراث السمعي إلى عدم العثور على فتوى رسمية موثقة من الأزهر تحسم الأمر بهذه الصورة.
كما تختلف الروايات في تحديد الزمن الذي انتهت فيه تجربة القارئات؛ فبعضها يشير إلى توقف التعاون الإذاعي معهن في مطلع الأربعينيات، بينما تذهب روايات أخرى إلى أن اختفاء الصوت النسائي من الإذاعة جاء بصورة تدريجية وعلى مدى سنوات.ولعل هذا الاختلاف نفسه يكشف أن الحكاية لم تكن قرارًا واحدًا أُغلق به الميكروفون في وجه المرأة، بقدر ما كانت تحولًا تدريجيًا في صورة التلاوة والإذاعة والمجتمع معًا.
الغياب جزءًا من الحكاية
في أرشيف الإذاعة المصرية، لا تعيش الحكايات فقط في الأصوات التي استمرت، وإنما أيضًا في تلك التي خفتت ثم غابت. وقارئات القرآن واحدة من هذه الحكايات المنسية؛ نساء وقفن أمام الميكروفون في زمن كانت الإذاعة فيه تجربة جديدة، وكان الصوت نفسه اكتشافًا يغير شكل الحياة. قرأت هؤلاء النساء القرآن في زمن لم يكن فيه الوصول إلى المستمعين أمرًا سهلًا، وحملن أصواتهن من المآتم والليالي الدينية إلى أثير يصل إلى بيوت لا يعرفن أصحابها. وربما لا تكون قصتهن مجرد صفحة هامشية في تاريخ الإذاعة المصرية، بل سؤالًا مفتوحًا عن الأصوات التي سمعتها مصر ذات يوم ثم نسيت أن تحفظ صداها. فبينما بقيت أسماء كبار القراء حاضرة في الذاكرة الجماعية، تراجعت أسماء قارئات كن جزءًا من البدايات الأولى لهذا الأثير.
ويبقى السؤال: كم صوتًا نسائيًا مرّ من هنا، وكم حكاية ما زالت تنتظر أن يعثر عليها أحد في شريط قديم أو وثيقة منسية داخل أرشيف الإذاعة؟