مقطع فيديو مدته ثوانٍ هل كافيًا لنحكم على إنسان، وندينه، ونشهر به، وربما نهدم حياته؟
هذا هو التساؤل الذي يجب أن نتوقف أمامه قليلًا، في زمن أصبحت فيه الكاميرا حاضرة في كل لحظة،فأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على تحويل مشهد قصير إلى قضية رأي عام في دقائق.
نشاهد مقطعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، فنغضب أونتعاطف ونهاجم، وأحيانًا نصدر أحكامنا قبل أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا، هل شاهدنا القصة كاملة؟
أصبحنا نتعامل مع الصورة وكأنها الحقيقة، ومع الفيديو وكأنه دليل لا يحتمل الشك.في حين أن الفيديو قد يكون حقيقيًا بالفعل، لكنه في الوقت نفسه قد لا يعرض الحقيقة كاملة. فقد يبدأ التصوير بعد بداية الواقعة، أو يتوقف قبل نهايتها، أو يُقتطع جزء من الحديث، أو يُنشر المشهد منفصلًا عن سياقه، فيتغير معنى ما نراه تمامًا.
ويزداد الأمر تعقيدًا مع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت قادرة على إنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية تبدو حقيقية إلى درجة تجعل التفرقة بينها وبين الواقع أمرًا صعبًا في بعض الأحيان.
لكن المشكلة، في رأيي، ليست في التكنولوجيا وحدها، وإنما في أننا أصبحنا نميل إلى التصديق السريع. فبمجرد انتشار مقطع فيديو، تبدأ التعليقات والاتهامات، ثم تنتشر صور الأشخاص وأسماؤهم، وخلال ساعات قد يجد شخص نفسه أمام آلاف الأشخاص الذين أصدروا حكمهم عليه، دون أن يسمعوا روايته أو يعرفوا ما حدث قبل أن تبدأ الكاميرا في التسجيل.
إذا كانت المحكمة، بما لديها من سلطات وإمكانيات، لا تصدر حكمًا إلا بعد سماع أطراف النزاع وفحص الأدلة وإتاحة حق الدفاع، فكيف أصبحنا نحن نصدر أحكامًا على الآخرين من خلال مقطع لا يتجاوز ثواني أو دقائق؟
وهنا تظهر مشكلة أكبر، وهي أننا أحيانًا نخلط بين مشاهدة الواقعة وفهم الواقعة. أن ترى مشهدًا لا يعني بالضرورة أنك تعرف أسبابه، وأن تسمع جملة لا يعني أنك تعرف ما قيل قبلها أو بعدها، وأن تشاهد لحظة غضب لا يعني أنك تعرف ما الذي سبقها.
ولا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة مهمة لكشف كثير من الوقائع وتسليط الضوء على مشكلات قد لا تصل إلى الرأي العام لولا انتشارها، وهذه نقطة إيجابية لا يمكن إنكارها. لكن في المقابل، فإن سرعة الانتشار جعلت أحيانًا السبق في الحكم علي الاشخاص أهم من التحقق من الحقيقة.
ولهذا، عندما نشاهد مقطعًا يثير غضبنا أو تعاطفنا، لا أقول إن علينا أن نكذبه، وإنما علينا أن نتوقف لحظة قبل أن نعتبره الحقيقة كاملة. و نسأل، ماذا حدث قبل هذا المشهد؟ وماذا حدث بعده؟ وهل هناك رواية أخرى لم نسمعها؟ وهل ما شاهدناه كامل أم مجرد جزء من الصورة؟
فالحقيقة لا تكون دائمًا في المقطع الذي شاهدناه، وربما يكون الأخطر ليس ما في الفيديو الذي مدته ثوان وانما فيمت لم نره امام اعيننا.
فاحظر... ألا تنساق وراء فيديو لا يتجاوز مشاهدته بضع ثواني في ان تحكم علي الحقيقة الكاملة دون ان تعرف باقي القصة من جميع الأطراف ومن بدايتها ونهايتها.