عاجل

​لم يعد الفساد في الواقع المصري مجرد سلوك فردي أو انحراف إداري عابر تُعالجه العقوبات المخففة، بل تطور ليصبح منظومة هيكلية تفرض سطوتها على شرايين الاقتصاد، وتُنتج ثروات فاحشة تعبر عن استغلال غير مشروع لنفوذ السلطة والموقع الوظيفي. إن الفساد في سياقنا الراهن أضحى الاستخدام المنظم للموقع الوظيفي أو النفوذ السياسي لتحويل الأصول والموارد العامة إلى ملكيات خاصة مغلفة بغطاء إجرائي ظاهري، وهو ما يفرض التعامل معه كتهديد مباشر للأمن القومي يتجاوز مفهوم الجريمة الجنائية التقليدية.

​تتعدد أوجه هذا الفساد وتتكامل أدواته؛ فأخطر أنواعه هو الفساد التشريعي والتقنين الصوري، حيث تُستغل الثغرات القانونية لتقنين الاستيلاء على الأراضي الصحراوية وطرح النيل وحرم المجرى المائي لمشروعات خاصة، عبر بيع الأصول القومية بفتات الجنيهات وعلى أقساط طويلة، لتُعاد تسعيرها في السوق السوداء بأرقام فلكية. بالتوازي مع ذلك، يتمدد الفساد الإداري والتنفيذي في شرايين المحليات والمنافذ والجمارك والموانئ والمؤسسات الخدمية، حيث يتحول التغاضي عن المخالفات وتمريرها إلى تجارة تُراكم ثراءً فاحشاً لموظفين يتقاضون رواتب محددة لا تبرر حجم ثرواتهم.

​ولا يتوقف هذا النهب المنظم عند حدود المدن أو المشروعات الكبرى، بل يمتد لعمق الريف المصري في القرى والنجوع، عبر الاستيلاء على أملاك الدولة والخدمات العامة؛ حيث جرى التعدي الصارخ على المساحات الناجمة عن ردم الترع والمصارف والمجاري المائية، إلى جانب أراضي ومباني المقرات الخدمية الحكومية القديمة والمهجورة. لقد استغل أصحاب النفوذ المحلي وسطوة السلطة غياب الرقابة الدقيقة ليتمددوا على هذه المنافع العامة ويحولوها لملكيات خاصة ومصالح شخصية، مما حرم أهالي القرى من أراضٍ كان يُفترض أن تُستغل لبناء مدارس ومستشفيات ومراكز شباب ومشاريع نفع عام.
​وتكتمل الحلقة بـ فساد الواجهات وغسيل الأموال، الذي يعتمد على أدوات تحايل متطورة لتسجيل الأصول المنهوبة بأوراق رسمية تحت أسماء أقارب من الدرجة الأولى أو واجهات مستعارة داخل مصر وخارجها، مما جعل القوانين الوضعية والإجراءات العادية مكبلة تماماً أمام ثغرات الإثبات الإجرائي.

​وهنا تجب التفرقة الجوهرية بين هذا الإجراء السيادي الاستراتيجي وبين قرارات التأميم الشهيرة التي اتخذها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في ستينيات القرن الماضي؛ فتأميم عبد الناصر كان خياراً أيديولوجياً وسياسياً طال جميع القطاعات الإنتاجية والتجارية والمؤسسات الكبرى لدواعي تحويل الاقتصاد كلياً إلى النمط الاشتراكي وإدارة الدولة لكل المقدرات، بغض النظر عن كون أصحاب تلك القطاعات فاسدين أو مستثمرين شرعيين. أما «تأميم الفساد» المطروح اليوم، فهو إجراء جنائي واستردادي بحت لا يستهدف النشاط الاقتصادي المباشر ولا يمس قطاع الاستثمار المشروع، بل يوجه ضربته القاضية لحواشي الفساد والفاسدين حصراً لاسترداد أموال الدولة المنهوبة التي تُقدر بالترليونات، وإعادتها لحضن الخزانة العامة، دون إضرار ببيئة الاستثمار أو بيئة الأعمال النزيهة.

​ويتسع نطاق هذا التأميم الضروري ليشمل ملفاً شديد الخطورة على الأمن القومي، وهو ممتلكات وثروات تنظيم الجماعة الإرهابية (الإخوان) التي تشكلت وتضخمت في الفترة الممتدة من أحداث 25 يناير حتى ثورة 30 يونيو 2013 العظيمة. فخلال تلك الفترة العاصفة، تدفقت أموال التمويل الخارجي والضخ الأجنبي المشبوه لتصنع من عناصر الجماعة وحلفائها طبقة جديدة ذات نفوذ مالي واجتماعي طارئ، لم تكن تهدف فقط لإحكام السيطرة الاقتصادية، بل سعى مخططها الخبيث لإحداث "تغيير ديموغرافي واجتماعي" لتركيبة المجتمع المصري عبر تغلغل رؤوس الأموال المشبوهة في الأصول العقارية والأراضي والمؤسسات الخدمية والتجارية. إن مصادرة وتأميم هذه الثروات والممتلكات يُمثل استكمالاً طبيعياً لملف الحفاظ على الهوية المصرية والسيادة القومية.
​أمام هذا الواقع الممتد من فساد المحسوبية ونهب أصول الدولة بالقرى إلى أموال التمويل المشبوه، لم تعد أجهزة الدولة التقليدية قادرة بمفردها على المواجهة. وتقتضي المصلحة الوطنية صياغة روشتة إنقاذ إستراتيجية تُمثل ورقة عمل حاسمة أمام القيادة السياسية، تبدأ بإدراج الفساد الجسيم رسمياً ضمن نطاق الأمن القومي، وتحويل قضايا الاعتداء على مقدرات الدولة إلى القضاء العسكري لضمان السرعة الحازمة والردع الناجز. ولتفكيك شبكات المعاملات المعقدة والواجهات المستعارة، تجب إحالة ملف التحريات وتقصي الأموال كاملاً إلى قطاع الأمن الوطني؛ ذلك القطاع الشامخ الذي أثبت أنه الحصن الصامد الذي لم يمسه الفساد ولم يستطع الإرهاب اختراقه، ويحظى ببالغ ثقة المواطن وتقديره، بينما يمثل الرعب الحقيقي لكل فاسد لما يمتلكه من قدرات معلوماتية ونفوذ وقوة ردع قادرة على كشف المالك الفعلي للأصول وتتبع مساراتها المعقدة داخل مصر وخارجها.

​تقتضي هذه الروشتة الوطنية فرض مراجعة كاملة وشاملة لثروات كل من تقلد منصباً تشريعياً أو تنفيذياً منذ عام 2015 وحتى الآن، دون استثناء لأي درجة وظيفية، لتتبع أموالهم المباشرة وتلك المسجلة بأرقام ومسميات تابعة، إلى جانب حصر واستعادة أراضي الدولة المنهوبة في المحليات والقرى، وتأميم كل ما ينتمي لأموال التنظيمات الإرهابية وواجهاتها الاقتصادية. إن إصدار قرار سيادي بفرض «التأميم والمصادرة الشاملة» لهذه الأصول المتراكمة عبر سنوات النهب والتمويل المشبوه كفيل بإنهاء معظم الأزمات الاقتصادية، والقضاء على العجز الهيكلي، وتوفير التمويل المستدام لتطوير الصحة والتعليم والبنية التحتية، وإقامة مشروعات صناعية إنتاجية تخلق ملايين الفرص للشباب، فضلاً عن سداد أجزاء رئيسية من الديون السيادية.

​إن القيمة الإستراتيجية الأهم لقرار "تأميم الفساد" تكمن في قدرته على تفكيك التشابك السرطاني والتزاوج غير الشرعي بين أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب نفوذ السلطة، وتطهير النسيج المجتمعي من الطبقات المالية التي تشكلت بالمال الفاسد أو الخارجي أو بالتعدي على منافع الغلابة في القرى. هذا التفكيك هو الحجر الزاوية لإعادة هيكلة الاقتصاد المصري ليتحول من اقتصاد ريعي قائم على المحسوبية والمضاربات إلى اقتصاد حقيقي قائم على الإنتاج والصناعة والتنمية المستدامة، مع ترسيخ قاعدة صارمة لا تقبل المساومة: «السلطة تكليف لخدمة الوطن، وليست أداة لمراكمة الثروات».

تم نسخ الرابط