لم يكن ما فعلته المطربة اللبنانية أليسا في حفلتها على المسرح من رفض الاحتفاظ بكوفية فلسطينية وإلقائها مجددًا على الجمهور إلا رمزًا لمدى ما أصبحت عليه القضية الفلسطينية لدى البعض. فقضية العرب الأولى على مدى سنوات أكثر من 70 عامًا لم تعد كذلك لدى البعض، بعد أن أصبح الخطر يهدد ليس فقط الشعب الفلسطيني، بل أيضًا معظم الشعوب العربية. التوحش الإسرائيلي طال الجميع، ومحاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لزعزعة استقرار المنطقة مستمرة، وبالتالي "فمن أمن العقاب أساء الأدب". فلا أحد يعاقب إسرائيل على قتل أكثر من خمسين ألف فلسطيني معظمهم من النساء والأطفال، وارتكاب جرائم إبادة جماعية للفلسطينيين، والاستيلاء على أراضيهم بالقوة، ومحاولة إنهاء حل الدولتين، وتأكيد الوزير بن غفير أن الفلسطينيين ليسوا بشرًا، وامتلاك سلاح نووي، والتعدي الإسرائيلي المستمر على جيرانها في سوريا ولبنان، ومحاولة إشعال المنطقة وزعزعة استقرارها بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. كل ذلك بلا عقاب يذكر من أي طرف. بل إن محاولات نتنياهو التنصل من التزاماته بتنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحجة الانتخابات تفهمها المبعوث الأمريكي وصهر الرئيس ترامب كوشنر، على الرغم من أنها حجة قديمة دائمًا ما يستخدمها نتنياهو، وهو أصلاً لم ينفذ استحقاقات المرحلة الأولى من الخطة بإدخال المساعدات الإنسانية. وفوق كل ذلك، هناك استمرار سياسات إسرائيل الاستيطانية غير القانونية في الأرض الفلسطينية المحتلة، وبدء خطط "E1" الاستيطاني وما يرتبط به من أنشطة استيطانية شرق القدس الشرقية المحتلة، واستمرار أعمال عنف المستوطنين بدعم من سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني وممتلكاته. وقد جاء المبعوث الأمريكي كوشنر المنطقة منذ أيام، وكما جاء ذهب بدون أي تقدم.
ويُعتبر مخطط E1، أو مخطط شرق 1، مخططًا استيطانيًا إسرائيليًا يهدف إلى ربط القدس بعدد من المستوطنات الإسرائيلية الواقعة شرقها في الضفة الغربية، مثل مستوطنة معالي أدوميم، وذلك من خلال مصادرة أراضٍ فلسطينية بالمنطقة وإنشاء مستوطنات جديدة. ويمنع المخطط أي توسع فلسطيني محتمل في القرى الواقعة في هذه المنطقة من خلال تطويقها بالمستوطنات وإحداث تغيير ديموغرافي ضمن سياسة تهويد القدس، بما تُطلق عليه إسرائيل "القدس الكبرى" والتي تشكل مساحتها ما نسبته 10% من مساحة الضفة الغربية، والتي تقضي عمليًا على أي احتمال لإنشاء دولة فلسطينية متصلة في الضفة الغربية وعاصمتها القدس الشرقية.
ويخالف هذا المخطط أحكام القانون الدولي التي تحظر نقل سكان الدولة المحتلة إلى المنطقة الخاضعة للاحتلال، كما تحظر إجراء تغييرات دائمة داخل المنطقة الخاضعة للاحتلال ليست غايتها احتياجات أمنية أو لصالح السكان المحليين. ويشكل مخطط "E1" الاستيطاني تصعيدًا خطيرًا من شأنه المضي قدماً في التوسع الاستيطاني والضم، وتقويض التواصل الجغرافي للأرض الفلسطينية المحتلة، ولا سيما بين الضفة الغربية والقدس الشرقية، بما يهدد قابلية تجسيد دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً وقابلة للحياة على أساس خطوط عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وتشكل هذه الإجراءات تحدياً مباشراً للجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام، وفي مقدمتها خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام الشاملة، بما تتضمنه من رفض قاطع للضم والتهجير القسري، فضلاً عن الآليات المتوخاة لتنفيذها، بما في ذلك من خلال مجلس السلام، وكذلك التزام ترامب بعدم السماح بضم الضفة الغربية بهدف تحقيق الاستقرار وإنهاء الصراع.
وبالتأكيد، فإن حل الدولتين، وفقًا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، يظل السبيل الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق سلام عادل وشامل ودائم. وبالتالي، فإن الإجراءات الرامية إلى تقويض هذا الحل من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من تصعيد التوترات، وتهديد الأمن والسلم الإقليمي والدولي، وتقويض فرص تحقيق السلام والاستقرار الدائمين في المنطقة.
ولأن لا أحد يحاسب إسرائيل، فإنها مستمرة في ظلمها وإجرامها؛ فلا أحد يفرض عليها عقوبات، ولا يُعاقب الكيانات والأفراد المسؤولين عن الأنشطة الاستيطانية غير القانونية، بما في ذلك مخطط "E1" الاستيطاني. وكذلك لم تتعرض الجهات التي تدعم أو تسهل أو تنفذ سياسات التوسع الاستيطاني والضم إلى مساءلة دولية. وبالتالي، فإن غياب المساءلة يسهم في استمرار الانتهاكات ويقوض بصورة أكبر فرص تحقيق سلام عادل وشامل.
كما لا توجد أي إجراءات فورية لوقف مخطط "E1" الاستيطاني، وإلغاء جميع التدابير المتخذة في إطاره، ووقف جميع الأنشطة الاستيطانية وغيرها من الإجراءات الرامية إلى تغيير الطابع الجغرافي والديمغرافي للأرض الفلسطينية المحتلة. فلا مجلس الأمن تدخل، ولا الجمعية العامة للأمم المتحدة تحركت، ولا أي دولة فرضت عقوبات لوقف التوسع الاستيطاني غير القانوني وضمان حماية الشعب الفلسطيني وصون حقوقه. وتقف حاليًا مصر صامدة أمام مخططات تهجير الفلسطينيين وإنهاء القضية الفلسطينية بينما تخاذل العديد من الدول. وبالتالي، فلا داعي لأي مشاعر بالاندهاش أو الغضب من المطربة أليسا؛ فلا أحد يحاسب إسرائيل، وقد تم للأسف إلقاء القضية الفلسطينية في الهواء بدون أمل حقيقي في الدولة الفلسطينية، واكتفى البعض ببيانات التنديد في ظل إدارة أمريكية لا تريد الضغط بشكل حقيقي، ومجتمع دولي يفضل التغاضي والاكتفاء بالبيانات.