التراث ليس مجرد مجموعة من المباني القديمة أو القطع الأثرية المعروضة في المتاحف، كما أنه لا يقتصر على الفنون أو الحرف أو الممارسات الشعبية. فالتراث، في معناه الحقيقي، هو منظومة متكاملة تجمع المكان بالإنسان، والأثر بالذاكرة، والماضي بالحاضر، وتشمل كل ما ورثه المجتمع من شواهد مادية ومعارف وممارسات وقيم ورموز أسهمت في تشكيل هويته.
ومع ذلك، لا يُدار التراث المصري وفق هذا المفهوم الشامل، بل من خلال تقسيم مؤسسي يفصل بين «الآثار» و«الثقافة»، وكأنهما مجالان مستقلان لا تربط بينهما علاقة عضوية. فالآثار تخضع لمنظومة إدارية وتشريعية تتبع وزارة السياحة والآثار، بينما تتولى وزارة الثقافة ومؤسساتها إدارة مكونات أخرى من التراث، من بينها التراث الثقافي غير المادي بمختلف أشكاله، والفنون الجميلة، والكتب والوثائق، والحرف التقليدية، والفولكلور، وغيرها.
ويتعارض هذا التقسيم المؤسسي مع الإطار الدولي لإدارة التراث؛ فمنظمة اليونسكو تضع التراث الثقافي المادي وغير المادي، على اختلاف أشكاله ووسائل صونه، ضمن منظومة الثقافة. فالمواقع الأثرية والتاريخية، والمتاحف، والتقاليد، والمعارف والحرف المتوارثة، جميعها مكونات للتراث الثقافي، ولا تُعامل الآثار باعتبارها مجالًا منفصلًا عن الثقافة. ومن ثم، فإن توزيع هذه المكونات في مصر بين وزارة السياحة والآثار، ووزارة الثقافة يؤدي إلى تجزئة منظومة واحدة ينبغي أن تخضع لرؤية ثقافية وطنية متكاملة.
هذا التقسيم لا يعكس طبيعة التراث، وإنما يعكس حدودًا إدارية تراكمت عبر الزمن. والنتيجة أن ما هو مترابط ثقافيًا أصبح مجزأً مؤسسيًا؛ لكل جزء جهة مختلفة، وتشريعات مختلفة، وأولويات مختلفة، وموارد وقواعد بيانات وخطط عمل لا تتكامل دائمًا فيما بينها.
فالقطعة الأثرية لا تكتسب قيمتها من مادتها أو عمرها فقط، بل من المعرفة والذاكرة والدلالات الثقافية المرتبطة بها. والمبنى التاريخي ليس مجرد جدران ينبغي ترميمها، وإنما جزء من نسيج اجتماعي وثقافي نشأ حوله وتفاعل معه عبر أجيال. والحرفة التقليدية ليست نشاطًا اقتصاديًا منفصلًا عن المكان التاريخي، بل امتداد لذاكرته ووسيلة لاستمرار هويته.
ولنتأمل، على سبيل المثال، منطقة القاهرة التاريخية. فمبانيها ومساجدها وكنائسها وأسواقها القديمة ليست مجرد منشآت تتولى الدولة حمايتها وترميمها، بل شواهد حية على تاريخ المصريين وثقافتهم. ومع ذلك، تخضع المباني الأثرية لوزارة السياحة والآثار، بينما تتبع الحرف والفنون والممارسات الشعبية المرتبطة بها مؤسسات وزارة الثقافة . وهكذا تنعزل المباني الأثرية عن سياقها الإنساني، وتتحول تدريجيًا إلى شواهد صامتة، لا تزد عن كونها مواقع للزيارة تفتقر إلى السياق. وعندما تُفصل الحرف والتقاليد والممارسات عن الأماكن التي نشأت فيها، تتحول بدورها إلى عروض موسمية أو منتجات تذكارية فقدت جانبًا كبيرًا من معناها. وفي الحالتين، نخسر التراث بوصفه علاقة مستمرة بين الإنسان والمكان.
ولا تقف آثار هذا الانقسام عند حدود المفاهيم، بل تمتد إلى السياسات، والتشريعات، والتعليم، والبحث العلمي، وإدارة الموارد. فقد تتولى جهة ما توثيق المبنى، بينما توثق جهة أخرى الروايات الشفوية المرتبطة به، وتعمل جهة ثالثة على تنمية الحرف الموجودة حوله، من دون قاعدة معلومات مشتركة أو خطة موحدة. وقد يُرَمَّم الأثر من الناحية المعمارية، بينما يتراجع المجتمع المحيط به، أو تختفي الحرفة المرتبطة به، أو تتغير طبيعة المكان بصورة تفقده روحه وهويته.
كما يؤثر هذا الفصل في المتاحف وفي طريقة تقديم التاريخ للجمهور. فالمتاحف الأثرية تُدار في إطار، والمتاحف الفنية في إطار آخر، مع أن جميعها مؤسسات للمعرفة والذاكرة والتعليم. فالزائر لا ينظر إلى تاريخ بلاده وفقًا التقسيمات الإدارية؛ فهو يريد أن يفهم كيف عاش المصريون، وماذا صنعوا، وكيف عبّروا عن معتقداتهم وهويتهم، وكيف تطورت حياتهم وفنونهم ومعارفهم. لكنه يجد نفسه أمام روايات متفرقة، تفصل أحيانًا بين الأثر والفن، وبين الوثيقة والذاكرة، وبين التاريخ القديم والمجتمع الحديث.
المشكلة إذن ليست فقط في تبعية إدارية، أو اختصاص قانوني، بل في غياب استراتيجية وطنية موحدة للتراث المصري. نحن بحاجة إلى رؤية تحدد ما الذي نعدّه تراثًا، وكيف نوثقه ونحميه وندرسه ونقدمه، وكيف نربط بين مكوناته المادية وغير المادية، وكيف نجعل المجتمع شريكًا في صونه، لا مجرد متلقٍ لقرارات تُتخذ بعيدًا عنه.
ولا تعني الدعوة إلى إعادة النظر في هذه المنظومة إلغاء التخصصات أو دمج المؤسسات بطريقة عشوائية. فالآثار تحتاج إلى خبرات علمية وفنية وقانونية دقيقة، كما تحتاج المخطوطات والمتاحف والفنون والحرف والتراث غير المادي إلى تخصصاتها ومؤسساتها. لكن التخصص لا ينبغي أن يتحول إلى عزلة، والاستقلال الإداري لا ينبغي أن يؤدي إلى تفكيك المفهوم الوطني للتراث.
المطلوب هو إعادة هيكلة مؤسسية تنطلق من أن الآثار جزء لا يتجزأ من الثقافة، وليست قطاعًا منفصلًا عنها. ويمكن أن يتم ذلك من خلال بناء كيان وطني جامع للثقافة والتراث، يضم الآثار إلى بقية مكونات الذاكرة الوطنية، مع الحفاظ على استقلال الأجهزة المتخصصة وصلاحياتها الفنية. ومن شأن هذا الكيان أن يضع استراتيجية موحدة، ويربط بين قواعد المعلومات، ويوجه التمويل وفق أولويات وطنية، ويجمع بين الحماية، والبحث، والتعليم، والمتاحف، والمشاركة المجتمعية.
في مثل هذه المنظومة، لا يُنظر إلى الأثر بوصفه موردًا للزيارة فقط، بل باعتباره مصدرًا للمعرفة والتعليم والهوية. ولا تُعامل الحرفة باعتبارها نشاطًا منفصلًا، بل بوصفها جزءًا من تاريخ المكان واستمرارًا له. ولا يُرمم المبنى بمعزل عن مجتمعه، ولا تُعرض القطعة في المتحف بعيدًا عن سياقها الثقافي، ولا تُوثق الذاكرة الشفوية من دون ربطها بالشواهد المادية التي تمنحها عمقها التاريخي.
إن إعادة الآثار إلى إطارها الثقافي الطبيعي لا تقلل من قيمتها السياحية، بل تمنحها أساسًا أقوى وأكثر استدامة. فالسياحة تستفيد من التراث، وتعرّف به، وتوفر له موارد وفرصًا اقتصادية، لكنها ليست الجهة التي تحدد معناه أو قيمته أو أولويات حمايته. التراث يظل أولًا معرفة وهوية وذاكرة وحقًا للمجتمع، ثم يصبح بعد ذلك موردًا يمكن استثماره سياحيًا بصورة مسؤولة.
إن تراث مصر أكبر من الحدود الإدارية القائمة بين الوزارات والقطاعات. فهو ذاكرة وطنية واحدة، تشكلت من تفاعل الآثار والفنون والوثائق والحرف، والتقاليد، والمجتمعات، والأماكن. ولن تتحقق حمايته واستدامته ما دمنا ندير كل عنصر منه بمعزل عن الآخر.
الخطوة الأولى نحو الإصلاح هي الاعتراف بأن هذا التراث قد جرى تجزئته مؤسسيًا، وأن إعادة جمعه لا تبدأ بنقل الملفات من مكتب إلى آخر، بل ببناء فلسفة جديدة لإدارته. فلسفة ترى الآثار جزءًا من الثقافة، والثقافة إطارًا جامعًا للذاكرة الوطنية، والسياحة شريكًا في تقديم التراث والاستفادة منه، لا الجهة المسؤولة عن تحديد قيمته ومصيره.
إن حماية تراث مصر تبدأ بإعادته إلى إطاره الطبيعي: الثقافة.