عاجل

وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ
وَفَمُ الزَّمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ

هكذا بدأ أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدته في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ، فاختصر مشهدًا من أعظم مشاهد التاريخ،  ميلاد نبي كريم بعث لينير الأرض بهداية الإسلام ، وينشر الأخلاق الكريمة بين البشر جميعا . 

ولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في بيئةٍ أثقلتها الجاهلية بأوزارها، واضطربت فيها موازين القيم، فكان مجيئه إيذانًا بميلاد مرحلة جديدة من تاريخ الإنسان؛ مرحلةٍ استرد فيها العقل مكانته، والإنسان كرامته، والضعيف حقه، والمرأة منزلتها، وأصبح معيار التفاضل بين الناس التقوى والعمل الصالح، لا النسب ولا المال ولا الجاه.، كما قال تعالى في القرآن الكريم ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .

وكان صلى الله عليه وسلم نورًا يضيء طريق السالكين ،  صدقًا كلما تحدّث، وأمانةً إذا سلمته قريش الأمانات ، ورحمةً للعالمين شرقا وغربا  ، وعفوًا إذا انتصرعلى الأعداء ، وتواضعًا إذا علا شأنه،  فاجتمعت في شخصه الكريم خصالٌ جعلت منه نموذجًا إنسانيًّا فريدًا، حتى شهد له القرآن العظيم بذلك ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

ولم تخطيء الكلمات قصيدة شوقي حينما وصف الكون بأن عمه الضياء والنور حين ولد الهادي البشير صلى الله عليه وسلم ، لأنه أرسل بهداية النور للعالمين ، قال تعالى : ( قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) 

وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات، وتضطرب فيه المعايير، وتعلو فيه أصوات الكراهية والتنمر والتعصب، تبدو حاجتنا إلى النور النبوي أكثر إلحاحًا؛ لنجعل من ذكرى مولده فرصةً لمراجعة علاقتنا بأخلاقه وسيرته ومنهجه، فمولد النبي صلى الله عليه وسلم ليس مجرد ذكرى تُستعاد، وإنما رسالة تتجدد: أن يكون الصدق في حياتنا، والرحمة في تعاملاتنا، والأمانة في أعمالنا، والعفو سمة من سماتنا ، والإحسان في كل أمور حياتنا . 

إن ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم يذكرنا بهذا النور الذي سطع على الأرض لينير للبشرية دروب الحياة ، ويذكرنا بضرورة التـأسي بسيرته العطرة وبأخلاقه السامية ، فذلك دليل على محبته ، قال تعالى : ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) وذلك حتى يخالط قلب المؤمن قبس من نور رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتستقيم حياته ، وتسمو أخلاقه . 

صلّى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد، ما أشرقت شمس، وما تنفس فجر، وما خفق قلبٌ بحب رسول الله ، وكل عام وأنتم بخير بمناسبة هذه الذكرى العطرة .

تم نسخ الرابط