عاجل

أصحاب المعاشات في مصر على خطوط الصدمة الاقتصادية، فحين يقف الإنسان على عتبة السن القانونية للتقاعد، وبلغ الستين من عمره، يفترض أن يكون هذا التوقيت هو محطة الاستقرار والسكينة، وجني لثمار عقود من الكد والعطاء في خدمة الوطن ومؤسساته. غير أن المشهد يروي قصة أخرى بالكامل؛ قصة تحول فيها المعاش الثابت إلى دفتر يحصي به المواطن هزائم دخله اليومية أمام جنون الأسعار والتضخم المتسارع. إنها حكاية ملايين المصريين الذين أفنوا زهرة شبابهم في العمل، ليجدوا أنفسهم وجهًا لوجه أمام جدار من التحديات القاسية التي تختبر كرامتهم الإنسانية ومعاشهم الشهري.

حين نتحدث عن قطاع أصحاب المعاشات ممن تجاوزوا سن الستين في مصر، فإننا نلامس كتلة بشرية حرجة ومؤثرة لا يتعدى قوامها نحو تسعة ملايين مواطن، إضافة إلى حوالي مليونين ونصف المليون مستحقين للمعاش من فئات أخرى. هذا الرقم الذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد إحصائية في تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أو الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، يمثل في الواقع عصب الأسر المصرية وذاكرتها الحية. هؤلاء البشر ليسوا مجرد أرقام تُدرج في الموازنات العامة، بل هم آباء وأمهات وأصحاب خبرات أفلتت طاقاتهم بعد رحلة طويلة، ليتركوا بمفردهم في مواجهة اقتصاد حر شديد الشراسة. إن كون هذه الفئة محددة العدد نسبيًا مقارنة بالقوى العاملة الشابة، ينبغي أن يسهل عملية حمايتها ودعمها، لا أن يجعلها في ذريعة النسيان أو الاكتفاء بالفتات.

كلنا يعيش التضخم ودخلًا لا يغادر مكانه، خاصة لأصحاب المعاشات وهي ثبات الدخل، في مقابل متحول صاروخي لأسعار السلع الأساسية، والخدمات، وفواتير الطاقة، والمواصلات. ورغم الزيادة الرسمية للمعاشات التي تُقر سنوياً (مثل الزيادة الأخيرة التي بلغت نحو 15%)، فإن الهوة تزيد اتساعًا بين ما يتقاضاه المتقاعد وبين تكلفة متطلبات الحياة اليومية. حين يرتفع التضخم لمستويات مزدوجة، فإن القوة الشرائية للجنيه تتآكل بسرعة تفوق بكثير أي تعديل مالي سنوي. والمتقاعد الذي يخرج للمعاش بحد أدنى أو متوسط، يكتشف فجأة أن راتبه الذي كان يستر بيته لم يعد يكفي لأيام معدودة، مما يضطر ملايين الأسر إلى الانخراط في دوامة التقشف القسري، والاستغناء عن أبسط الاحتياجات الغذائية والاجتماعية.

ولا تنفصل معاناة صاحب المعاش عند بلوغه سن الستين عن تدهور حالته الصحية والبدنية بصورة طبيعية، فهي سن تلازمها الأمراض المزمنة كضغط الدم، والسكر، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وخشونة المفاصل. وهنا تكمن الطامة الكبرى، إذ تلتهم فاتورة الدواء وشراء المستلزمات الطبية والتحاليل النصيب الأكبر من المعاش الهزيل. وحين يعجز المتقاعد عن توفير ثمن أدوية الشهرية أو الانتظار طويلًا في قوائم انتظار منظومة التأمين الصحي الطويلة، فإنه يشعر بالخذلان الحقيقي. والعلاج ليس رفاهية يمكن تأجيلها، بل هو حق أصيل من حقوق الإنسان، والتفريط فيه أو المساومة عليه تحت وطأة العوز المالي يمثل تهديدًا مباشرًا لحياة كبار السن وحقهم في البقاء بكرامة.

وتتحدث النصوص القانونية والتأمينية عن خطط لرفع الحد الأدنى للمعاشات، ومحاولة ربطها بمتغيرات السوق، لكن الهوة شاسعة بين الصياغات القانونية وبين الواقع المعيشي على الأرض. الكثير من أصحاب المعاشات ما زالوا يتقاضون مبالغ زهيدة لا تتناسب مع الأسعار الحالية، بغض النظر عن العلاوات الاستثنائية التي تُصرف أحيانًا وتبتلعها موجات الغلاء فور نزولها. كما أن تأخر تفعيل بعض المكتسبات الحقوقية أو بطء تنفيذ مظلة الحماية الاجتماعية المتكاملة يضاعف من شعور هذه الفئة بالتهميش والإقصاء التدريجي من دائرة الاهتمام الوطني.

إن معالجة أزمة أصحاب المعاشات في مصر تتجاوز حدود المنح والمساعدات الموسمية، لتصل إلى مرتبة إعادة هندسة العدالة الاجتماعية. إن المتقاعد الذي أدى واجبه الوطني والوظيفي طوال أربعين عامًا، يستحق عقدًا اجتماعيًا يحميه من تقلبات الزمن. ويتطلب الأمر عاجلًا وضع آلية ربط تلقائي ودائم بين المعاشات ومعدلات التضخم الحقيقية، لا النمطية، إلى جانب توسيع مظلة التأمين الصحي المجاني والشامل لكل صاحب معاش دون شروط معقدة، وتفعيل حقيقي وناجز لقوانين رعاية المسنين. إن حماية أصحاب المعاشات الذين عبروا عتبة الستين ليست منّة ولا تفضلًا، بل هي معيار حقيقي لمدى إنسانية المجتمع ووفائه لمن زرعوا أرض هذا الوطن بالجهد والعرق في كل المجالات.

تم نسخ الرابط