عاجل

غالبا أغلب الدول تتنافس على حماية حدودها، وأكيد دول اخرى تتنافس بقوة على حماية وعي مواطنيها، لأن المعركة في عصرنا أصبحت لا تدور حول احتلال الأرض فقط وإنما حول التأثير في طريقة تفكير البشر، ومن يحدد ما نراه وما نصدقه وما نبني عليه مواقفنا؟. طبعا بعد أن انتقلت المنافسة من الجغرافيا والسيطرة على الأرض إلى الإدراك والتأثير في العقول.

لهذا لم يعد مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين يقتصر على قوى صلبة أو اقتصاد متماسك فقط، بل أصبح يشمل القدرة على إدارة الفضاء الرقمي الذي يقضي فيه المواطن جزءًا كبيرًا من يومه ويتلقى من خلاله معظم معلوماته.

ويُعرف هذا الجانب بالسيادة الرقمية، أي قدرة الدولة على إدارة بياناتها وبنيتها التكنولوجية وأنظمتها الرقمية بما يتوافق مع قوانينها ومصالحها دون اعتماد كامل على منصات أو كيانات خارجية، ولا يتعلق الأمر بامتلاك التكنولوجيا فقط بل بحماية البيانات وتأمين البنية التحتية للحفاظ على استقلال القرار الرقمي.

ومن داخل هذا الإطار يبرز مفهوم السيادة المعلوماتية وهو مفهوم يركز على المعلومة نفسها أكثر من تركيزه على التكنولوجيا ومن ينتج المعلومات ومن يحدد ما يصل إلى الجمهور ويمتلك القدرة على التأثير في أولويات الناس؟. لأن المعلومة لم تعد مجرد وسيلة للمعرفة بل أصبحت إحدى أهم أدوات التأثير في الرأي العام وصناعة القرار.

واقعيا لم يعد هذا الحديث مجرد تصور نظري فقد كشفت هجمات إلكترونية كبرى مثل SolarWinds وColonial Pipeline، أن الاعتماد على قوى رقمية ومعلوماتية خارجية قد تتحول إلى تهديد مباشر للأمن القومي، وأصبح واضحًا أن السيادة الرقمية لم تعد شأنًا تقنيًا يخص الخبراء وحدهم بل قضية تمس أمن الدول واستقرارها.

لكن الأهم والتحدي الأكبر لا يكمن في مراكز البيانات وإنما في المنصات التي يقضي عليها ملايين البشر ساعات طويلة كل يوم.

قبل سنوات كانت الصحف والقنوات التلفزيونية تحدد أجندة الأخبار أما اليوم فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي البوابة الأولى التي يتابع من خلالها كثيرون ما يحدث في العالم. وهنا يبرز السؤال الذي يستحق التأمل:

من يصنع وعينا؟

فالمنصات لم تعد تكتفي بنقل المعلومات بل أصبحت ترتبها وتعيد تقديمها عبر خوارزميات صممت لتعظيم التفاعل، ولهذا ينتشر أحيانًا المحتوى الأكثر إثارة لا الأكثر دقة ويصبح الانفعال أسرع انتشارًا من الحقيقة.

ولذلك لم تعد القضية مجرد تدفق للمعلومات بل أصبحت إعادة تشكيل لأولوياتنا وما نتابعه باستمرار يؤثر في ما نعتبره مهمًا وفي القضايا التي تشغلنا، وحتى في الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، وغالبًا يحدث ذلك دون أن نشعر.

وقد بدا هذا واضحًا في الحرب على غزة، حيث لم تقتصر المواجهة على الميدان بل امتدت إلى الهواتف المحمولة وشاشات التواصل الاجتماعي، وتنافست الروايات والصور ومقاطع الفيديو بالسرعة نفسها التي تطورت بها الأحداث وأصبح كسب الرأي العام جزءًا من المعركة.

وفي المواجهة بين إيران والولايات المتحدة لعبت المعلومات دورًا لا يقل تأثيرًا عن التحركات العسكرية، فالتصريحات والتسريبات والمقاطع المصورة وحتى الشائعات تركت أثرًا مباشرًا في الأسواق وفي ردود الفعل الدولية وأحيانًا سبق تأثيرها تأثير الحدث نفسه.

ولا يقتصر الأمر على السياسة ففي البطولات الرياضية الكبرى أصبحت المنصات الرقمية شريكًا في صناعة الحدث. هدف أو لقطة تحكيمية أو تصريح بعد المباراة قد يتحول خلال دقائق إلى حديث العالم كما أصبحت القيمة التسويقية للاعبين ترتبط بحضورهم الرقمي بقدر ارتباطها بأدائهم داخل الملعب.

ومع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي ازدادت الصورة تعقيدًا، فقد أصبح إنتاج الصور ومقاطع الفيديو والمحتوى المزيف أكثر سهولة وإقناعًا، بينما يحتاج كشف الحقيقة إلى وقت أطول، وقد لا يصل التصحيح إلى كل من تأثر بالمعلومة الأولى.

ولهذا فإن حماية السيادة المعلوماتية لا تعني تقييد المنصات أو الحد من حرية التعبير، بل تعني بناء مناعة معرفية داخل المجتمع؛ مواطن يتحقق قبل أن يشارك ويميز بين الخبر والرأي وبين الحقيقة والدعاية، ويدرك أن ما ينتشر ليس بالضرورة صحيحًا.

كما تتطلب إعلامًا مهنيًا سريعًا وموثوقًا واستثمارًا حقيقيًا في التعليم الرقمي، وتعزيزًا للأمن السيبراني وتشجيع إنتاج محتوى وطني قادر على المنافسة في الفضاء الرقمي.

وإذا كانت الجيوش تحمي الحدود فمن يحمي وعي المواطنين؟

قد يكون هذا السؤال هو الأكثر أهمية في السنوات المقبلة. فالدول لم تعد تتنافس فقط على الاقتصاد أو السلاح بل أيضًا على البيانات والخوارزميات، والقدرة على التأثير في العقول. ومن يمتلك هذه الأدوات يمتلك تأثيرًا أكبر في تشكيل الرأي العام وصناعة الاتجاهات.

أظن أنه لم تعد السيادة المعلوماتية مجرد مفهوم نظري ومصطلح تقني بل أصبحت أحد أهم أعمدة الأمن القومي في العصر الرقمي، وحماية الحدود أمر شديد الأهمية لكن حماية الوعي أصبحت اليوم ضرورة لا تقل أهمية عنها.

تم نسخ الرابط