سد جوليوس نيريري.. رسائل مصرية وتنزانية تتجاوز حدود إنتاج الكهرباء
يمثل افتتاح مشروع سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية في تنزانيا محطة مهمة في مسار العلاقات المصرية التنزانية، كما يعكس نموذجًا للتعاون الأفريقي في تنفيذ المشروعات التنموية الكبرى، بمشاركة تحالف مصري يضم شركتي «المقاولون العرب» و«السويدي إليكتريك».
ويجمع المشروع بين إنتاج الطاقة وتنظيم الموارد المائية ودعم البنية التحتية، فيما يرى خبراء أن أهميته تتجاوز حدود تنزانيا، لتشمل مستقبل التعاون المصري الأفريقي، وقدرة الشركات المصرية على تنفيذ مشروعات كبرى داخل القارة.
سد جوليوس نيريري نموذج للتعاون المصري مع أفريقيا
أكد الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري يمثل نموذجًا للتعاون المصري مع إحدى الدول الأفريقية، خاصة أنها من دول حوض النيل.
وقال شراقي إن المشروع يبرهن على تعاون مصر مع الدول الأفريقية في مشروعات التنمية، طالما تحقق هذه المشروعات فوائد للدول ولا تضر بأي دولة أخرى، موضحًا أن السد مقام على نهر روفيجي، وهو نهر محلي داخل تنزانيا، وليس نهرًا مشتركًا مع دول أخرى.
وأشار إلى أن نهر روفيجي يزيد طوله على 600 كيلومتر داخل تنزانيا، مؤكدًا أن المشروعات المقامة على الأنهار الدولية تختلف عن المشروعات التي تنفذ على الأنهار المحلية.
2115 ميجاوات.. الطاقة أبرز فوائد السد لتنزانيا
وأوضح أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية أن مشروع جوليوس نيريري يمثل بالنسبة لتنزانيا مشروعًا رئيسيًا للطاقة، إذ تبلغ قدرته الإنتاجية نحو 2115 ميجاوات.
وأشار إلى أن هذه الكمية تعادل نحو مرة ونصف كمية الكهرباء التي كانت موجودة في تنزانيا قبل إنشاء السد، موضحًا أن إنتاج الكهرباء في البلاد كان لا يتجاوز نحو 1600 ميجاوات.
وأضاف أن الطاقة تمثل أساسًا لعملية التنمية، وأن توفير الكهرباء سيساعد على زيادة النشاط الصناعي، فضلًا عن دعم الخدمات المختلفة للسكان.
السد يساعد على الحد من مخاطر الفيضانات
ولفت شراقي إلى أن تنظيم الفيضانات يمثل إحدى الفوائد الرئيسية للمشروع، خاصة أن نهر روفيجي يتأثر بالأمطار الغزيرة التي تشهدها تنزانيا.
وأوضح أن موسم الأمطار الكبير في البلاد يبدأ من مارس حتى مايو، وغالبًا ما تشهد هذه الفترة فيضانات في الأنهار التنزانية، ومن بينها نهر روفيجي.
وأكد أن السد لن يمنع الفيضانات بصورة كاملة، لكنه سيساعد على حجز المياه والتحكم في التدفقات والحد من مخاطرها على المناطق الواقعة بعد السد.
بحيرة السد تستوعب 34 مليار متر مكعب
وأوضح شراقي أن بحيرة سد جوليوس نيريري ستخزن نحو 34 مليار متر مكعب من المياه، ما يجعل المشروع من السدود الكبيرة في القارة الأفريقية.
وأشار إلى أن البحيرة ستغطي نحو 1200 كيلومتر مربع، في حين تبلغ مساحة المحمية الطبيعية التي يقع المشروع في نطاقها نحو 50 ألف كيلومتر مربع.
وأكد أن المساحة التي يشغلها السد والبحيرة تمثل نحو 2% فقط من مساحة المحمية، مشيرًا إلى أهمية تحقيق التوازن بين التنمية والحفاظ على البيئة.
تنظيم المياه يدعم الزراعة المروية
وقال شراقي إن تنظيم جريان المياه في نهر روفيجي على مدار العام سيساعد على تنفيذ مشروعات زراعية جديدة تعتمد على الري.
وأوضح أن الزراعة في تنزانيا والدول الأفريقية تعتمد بدرجة كبيرة على الأمطار، بينما تتيح الزراعة المروية إنتاجية أكبر واستقرارًا في العملية الزراعية.
وأضاف أن انتظام المياه يمكن أن يساعد على استصلاح أراضٍ جديدة والتوسع في النشاط الزراعي، خاصة أن تنزانيا تمتلك مساحات واسعة قابلة للزراعة.
السد يوفر المياه ويدعم التنمية
وأشار أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية إلى إمكانية الاستفادة من المياه المخزنة في توفير مياه الشرب للسكان، إلى جانب استخدامها في الزراعة والأنشطة التنموية المختلفة.
وأكد أن فوائد سد جوليوس نيريري بالنسبة لتنزانيا تشبه إلى حد كبير الفوائد التي حققها السد العالي بالنسبة لمصر، معتبرًا أن المشروع يمكن أن يمثل بداية لعصر جديد في تنزانيا يعتمد بصورة أكبر على الكهرباء والتكنولوجيا والصناعة والزراعة والتعليم.
المقاولون العرب والسويدي إليكتريك.. إنجاز مصري في تنزانيا
وأوضح شراقي أن تنفيذ مشروع جوليوس نيريري يمثل إنجازًا للشركات المصرية، وفي مقدمتها شركة «المقاولون العرب» وشركة «السويدي إليكتريك».
وأشار إلى أن المشروع يمثل تجربة مهمة لشركة المقاولون العرب، خاصة أنها تولت تنفيذ المشروع بالكامل، بخلاف مشاركاتها السابقة في مشروعات السد العالي والقناطر وغيرها.
وأضاف أن شركة السويدي إليكتريك شاركت في التوربينات وشبكة الكهرباء وخطوط نقل الكهرباء، إلى جانب الأعمال المرتبطة بالمشروع.
34 مليار متر مكعب تفتح فرصًا زراعية جديدة
وأكد شراقي أن تخزين نحو 34 مليار متر مكعب من المياه يمكن أن يساعد تنزانيا على استصلاح مزيد من الأراضي وزيادة النشاط الزراعي.
وأوضح أن تنزانيا تتمتع بأمطار غزيرة وتمتلك نحو 100 مليون فدان قابلة للزراعة، ما يجعل توفير المياه بصورة منتظمة عاملًا مهمًا في زيادة الإنتاج الزراعي.
وأشار إلى أن زيادة الإنتاج الزراعي يمكن أن تدعم العلاقات التجارية بين مصر وتنزانيا، وتفتح المجال أمام تنفيذ مزيد من المشروعات المشتركة.
أفريقيا تستفيد من 10% فقط من إمكاناتها المائية
وقال شراقي إن القارة الأفريقية تمتلك موارد مائية كبيرة، إلا أن عدد السدود المقامة على أنهارها لا يزال محدودًا مقارنة بإمكاناتها.
وأوضح أن الاستفادة الحالية من الإمكانات المائية للقارة لا تتجاوز نحو 10%، ما يعني أن نحو 90% من هذه الإمكانات لا تزال غير مستغلة.
وأكد أن الطاقة الكهرومائية تمثل مصدرًا نظيفًا ومتجددًا، ويمكن أن تسهم في توفير احتياجات دول القارة من الكهرباء، فضلًا عن إمكانية تصدير الكهرباء إلى الدول المجاورة.
مشروع جوليوس نيريري يفتح الباب أمام الشركات المصرية
وأشار أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية إلى أن نجاح مشروع جوليوس نيريري يفتح المجال أمام الشركات المصرية للتوسع في أفريقيا، خاصة في مشروعات السدود والبنية التحتية.
وأكد أن المشروع أظهر حجم الخبرات الهندسية المصرية، ويمكن أن يمثل نموذجًا تستفيد منه شركات مصرية أخرى في التوسع داخل القارة وتنفيذ مشروعات كبرى.
مرحلة فارقة في العلاقات الأفريقية
من جانبه، أكد الدكتور رمضان قرني، الخبير في الشؤون الأفريقية، أن افتتاح سد جوليوس نيريري يمثل يومًا مشهودًا في تاريخ تنزانيا السياسي والعلاقات المصرية التنزانية، ومرحلة فارقة في تاريخ العلاقات الأفريقية الأفريقية.
وقال قرني إن افتتاح السد يحمل رسائل سياسية وإعلامية وتنموية متعددة لدول القارة، أبرزها تأكيد مصر أنها داعم قوي ورئيسي لعملية التنمية في دول حوض النيل، وأنها ليست ضد التنمية في أي دولة من دول الحوض.
التنمية أصبحت السردية المصرية تجاه أفريقيا
وأوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أن الرسالة المصرية بشأن دعم التنمية يمكن قراءتها ضمن رؤية أوسع، أصبحت فيها التنمية تمثل السردية المصرية الرئيسية التي تقدم بها مصر نفسها للقارة الأفريقية.
وأشار إلى أن هذه الرؤية تقوم على إدارة وملكية وطنية لعملية التنمية، وفق احتياجات كل دولة أفريقية، إلى جانب الاعتماد على آليات تنفيذية أفريقية حقيقية.
«الحلول الأفريقية للأزمات الأفريقية»
وقال قرني إن التحرك المصري يعكس أيضًا مبدأ «الحلول الأفريقية للأزمات الأفريقية»، باعتباره أحد المبادئ المهمة في الاتحاد الأفريقي.
وأضاف أن مصر لم تكتفِ بطرح شعار التنمية، وإنما عملت على توفير آليات وطنية للمساهمة في تحقيقها، وفي مقدمتها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية.
وأوضح أن الوكالة تعمل في نحو 14 مجالًا تنمويًا، ونظمت منذ إنشائها عام 2014، باعتبارها امتدادًا للصندوق المصري للتعاون الفني مع أفريقيا الذي تأسس في الثمانينيات، نحو 700 دورة تدريبية لنحو 20 ألف خبير ومتدرب أفريقي داخل مصر.
مصر وإعادة الإعمار وتسوية النزاعات
وأشار قرني إلى ارتباط التنمية أيضًا بملف إعادة الإعمار وحل الصراعات، موضحًا أن مصر تسعى لاستضافة مركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية في مرحلة ما بعد النزاعات.
وأضاف أن مصر تمتلك كذلك مركز القاهرة لتسوية النزاعات وحفظ السلام في أفريقيا، بما يعكس ارتباط الرؤية المصرية بين التنمية والاستقرار والأمن.
وأوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أن تنزانيا تعول على سد جوليوس نيريري باعتباره إحدى الأدوات الرئيسية لتحقيق رؤيتها التنموية.
وأشار إلى أن السياسات التنزانية خلال السنوات الأخيرة شهدت تحولًا نحو سياسات السوق والانفتاح الاقتصادي، مع سعي البلاد إلى تقديم نفسها كدولة صاعدة في شرق أفريقيا.
وأضاف أن البنية التحتية والموانئ والمدن اللوجستية تمثل أدوات رئيسية في هذا التوجه، إلى جانب قطاع الطاقة الذي أصبح سد جوليوس نيريري أحد أبرز مشروعاته.
السد يتجاوز إنتاج الكهرباء
وأكد قرني أن أهمية المشروع لا تقتصر على إنتاج الكهرباء، رغم أن قدرته تبلغ نحو 2150 ميجاوات، وإنما تمتد إلى تطوير الطرق والبنية التحتية وإنشاء مدينة سكنية متكاملة حول السد.
وأوضح أن المشروع يمكن أن يمثل رافعة للتنمية داخل تنزانيا، ويدعم توجهها نحو تطوير الموانئ والمدن اللوجستية وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي.
مصر تواجه السردية الإثيوبية بدعم التنمية
وأشار قرني إلى أن مشروع جوليوس نيريري يبعث رسالة مصرية واضحة بشأن دعم التنمية في دول حوض النيل، في مواجهة السردية التي تروج لها إثيوبيا بأن مصر تقف ضد التنمية في دول الحوض.
وأكد أن مصر لم تعلن منذ عام 2011 أنها ضد سد النهضة، وإنما تؤكد دعمها للتنمية في إثيوبيا مع ضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي والتوصل إلى اتفاق ملزم لجميع الأطراف.
مشروعات الربط تدعم التجارة الأفريقية
وقال قرني إن تطوير البنية التحتية يمثل جزءًا من رؤية مصر للتعامل مع مشكلة ضعف التجارة البينية الأفريقية.
وأشار إلى مشروعات الربط البحري أو النهري «فيكتوريا - المتوسط»، والربط البري «القاهرة - كيب تاون»، إلى جانب الطريق البري بين مصر وليبيا وتشاد.
وأوضح أن هذه المشروعات يمكن أن تدعم حركة السلع والبضائع والعمالة، كما توفر منافذ للدول الأفريقية الحبيسة، خاصة في وسط القارة، للاستفادة من الموانئ والمناطق اللوجستية المصرية.
مشروعات مصرية للمياه في دول حوض النيل
وأشار الخبير في الشؤون الأفريقية إلى وجود مشروعات مصرية لتطوير البنية التحتية والموارد المائية في عدد من دول حوض النيل، من بينها الكونغو الديمقراطية وأوغندا وجنوب السودان وتنزانيا وكينيا.
وأوضح أن هذه المشروعات تشمل تطوير المصارف والمجاري المائية وحفر الآبار في المناطق التي تعاني مشكلات في المياه، مع وجود إمكانية لتكرار تجربة سد جوليوس نيريري في دول أخرى.
تحالف مصري يفوز بمشروع السد
ولفت قرني إلى أن فوز التحالف المصري بتنفيذ مشروع جوليوس نيريري جاء بعد منافسة مع شركات دولية من تركيا والصين وإيطاليا ودول أوروبية.
وأكد أن نجاح تحالف مصري في تنفيذ مشروع بهذه الطاقة، التي تتجاوز 2000 ميجاوات، وبتكلفة تقارب 3 مليارات دولار، يمثل تجربة قابلة للتكرار في دول أفريقية أخرى.
أفريقيا قادرة على تحقيق التنمية
واختتم قرني بالتأكيد على أن مشروع سد جوليوس نيريري يمثل نموذجًا لتعاون أفريقي أفريقي يحترم قواعد القانون الدولي ولا يضر بالدول الأخرى في حوض النيل.
وقال إن المشروع يؤسس لشراكة استراتيجية وتنموية مصرية تنزانية، ويقدم رسالة للداخل الأفريقي مفادها أن دول القارة قادرة على تحقيق تنمية حقيقية متى توافرت الإرادة السياسية وأتيحت الفرصة للشركات الوطنية.